من المختبر إلى أصحاب التجربة: أبحاث «إم آي تي» تعيد هندسة أدوات الصحة النفسية والذكاء الاصطناعي عبر التصميم المجتمعي التشاركي
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تنطلق الباحثة إيلا كومار، في سنتها الأخيرة من دراسة الدكتوراه ضمن مجموعة «لايف لونغ كيندرغارتن» في مختبر الوسائط بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، من مبدأ منهجي مغاير للنمط التقليدي في تطوير البرمجيات: الابتكار المؤثر لا يولد من عمل المهندسين في معزل عن بيئتهم، بل ينشأ حين يشارك المستفيدون النهائيون في صياغة الأداة منذ اللحظة الأولى. هذا التوجه جاء بعد تجربة عملية لكومار في فيلادلفيا وجامعة بنسلفانيا بمشاريع تصنف ضمن «التكنولوجيا للخير العام»، حيث لاحظت غياب الأثر المستدام للحلول التي تُبنى من أعلى إلى أسفل وتُفرض على المستخدمين دون مراعاة حقيقية لثقافاتهم وعوائقهم اليومية.
الابتكار الرقمي الحقيقي لا يتحقق بجلوس المطورين في المختبر وإلقاء الأدوات على الناس، بل بإشراك أصحاب التجربة المعيشة في كل قرار تصميمي. يتجسد هذا المسار في مشاريع تطبيقية موجهة للأطفال واليافعين الذين مروا بتجارب صدمات نفسية أو داخل منظومة الرعاية الاجتماعية. ومن أبرز هذه النماذج تطوير نظام تواصل يعتمد على التركيب البصري بدلا من النصوص الكثيفة بالتعاون مع مؤسسة «ستيبينغ فوروارد إل إيه»، لمساعدة اليافعين على التعبير عن المشاعر المعقدة وبناء الروابط المشتركة. وتعمل الباحثة بالتوازي مع «معهد موارد العدالة» على تطبيق هاتفي يتيح لليافعين دورا فاعلا في رسم خطط علاجهم النفسي ومتابعة أهدافهم خارج العيادة، بمشاركة مباشرة من المعالجين والشباب في مراحل البناء والتقييم.
مع توسع انتشار تقنيات الذكاء الاصطناعي، رصدت أبحاث كومار ظاهرة حساسة تتمثل في لجوء اليافعين ممن تعرضوا لصدمات إلى نماذج الذكاء الاصطناعي لاتخاذ قرارات مصيرية في حياتهم اليومية، في ظل غياب شبه تام لوعي أولياء الأمور ومقدمي الرعاية بهذا السلوك. ولمعالجة هذه الفجوة، وجهت جهودها نحو عقد ورش تدريبية للجمعيات ومقدمي الرعاية لتأهيلهم في فتح حوارات واعية حول الذكاء الاصطناعي مع الشباب، إلى جانب قيادة حلقة قيادة تقنية استمرت عشرة أشهر مع منظومة «فوستر أمريكا» لدمج الخدمات الاجتماعية وأصحاب التجربة المعيشية مع خبراء التقنية.
يحمل هذا التحول دلالة مباشرة للمؤسسات الصحية والمنصات الرقمية الناشئة في الخليج ومصر والشام، حيث يتسارع الاستثمار في رقمنة خدمات الصحة النفسية وتطبيقات الدعم السلوكي والاستشارات. الاعتماد على نماذج ذكاء اصطناعي مستوردة أو أدوات محادثة آلية مسبقة البرمجة دون مواءمة تشاركية مع الأخصائيين الاجتماعيين والبيئة الأسرية المحلية يرفع مخاطر توجيه المستخدمين لخيارات غير آمنة في أوقات الأزمات. وتفرض هذه المعطيات على فرق تطوير المنتجات ورواد الأعمال في المنطقة إدخال المعالجين المحليين والمستفيدين في مراحل التدريب والتصميم، مع تأهيل الكوادر الإرشادية في المدارس ومراكز الرعاية للتعامل مع اعتماد الجيل الصاعد على أدوات الذكاء الاصطناعي كمستشار شخصي غير خاضع للرقابة.
يمتد العمل على ترسيخ هذا النموذج عبر تدريس مساق للابتكار المجتمعي في معهد ماساتشوستس بالتعاون مع مركز «بريسيلا كينغ غراي»، وتأسيس ملتقى ممارسات يربط الباحثين في «إم آي تي» وجامعة هارفارد. إن مستقبل التقنيات ذات الأثر الواقعي يكمن في انتقال الباحثين والمطورين من مرحلة اتخاذ القرارات بالنيابة عن المجتمعات إلى اتخاذها جنبا إلى جنب معها.