«ليب 2026»: صفقات بـ15 مليار دولار ترسم ملامح منظومة حوسبة وطنية متكاملة
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
كشفت الدورة الخامسة من مؤتمر «ليب 2026» السنوي للتقنية في الرياض، التي اختتمت أعمالها في مطلع سبتمبر، عن حجم التحول في مسار قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بعد الإعلان عن صفقات تجاوزت قيمتها 15 مليار دولار خلال أربعة أيام. ولم تتوقف دلالة هذه الأرقام عند حدود استقطاب رؤوس الأموال، بل عكست توجهاً لبناء منظومة تقنية متكاملة محلياً، تمتد من تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي وتصميم العتاد، إلى استثمار المليارات في البنية التحتية السحابية، وخطط الشاحنات ذاتية القيادة وتوسيع التصنيع المحلي، بدلاً من الاكتفاء باستيراد المنتجات والبرمجيات الجاهزة.
الخطط التقنية التي تمتد لخمس أو عشر سنوات انتهى زمنها في ظل التسارع الاستثنائي. هذا ما أكده وزير الاتصالات وتقنية المعلومات عبد الله السواحه في افتتاح المؤتمر، مبيناً أن القطاع التقني نما في إطار «رؤية 2030» من أقل من 80 مليار دولار في عام 2016 إلى 139.2 مليار دولار، مع صعود عدد الوظائف فيه من 150 ألفاً إلى 450 ألف وظيفة. وقد جمع الحدث 1323 متحدثاً و1397 مستثمراً يمثلون 1027 شركة تدير مجتمعة أصولاً تصل قيمتها إلى 18.3 تريليون دولار، إضافة إلى مشاركة أكثر من 1500 جهة عارضة بينها 750 شركة عالمية، و1294 شركة انخرطت في المعرض وبرنامج الشركات الناشئة.
وفي قلب هذه الإعلانات، قادت شركة «هيومين»، التي أسسها صندوق الاستثمارات العامة في مايو من العام الماضي، حضوراً تقنياً لافتاً؛ حيث كشفت في اليوم الأول عن نموذج «هيومين إم 3»، وهو نموذج لغوي عربي مفتوح الأوزان تم تدريبه على أكثر من تريليون رمز عربي، إلى جانب منصة «هيومين فويس» للمحادثة الصوتية الموجهة لدعم لهجات عربية متعددة تشمل السعودية والمغاربية والمصرية والشامية. وتتابعت الإعلانات بشراكة مع صانعة الرقائق الأمريكية «كوالكوم» وعرض الحاسوب الشخصي للذكاء الاصطناعي «هورايزون ألترا» المصمم في السعودية، بينما كشفت «كوالكوم» عن خطط لافتتاح مكتب هندسي في الرياض. وأكد الرئيس التنفيذي لـ«هيومين»، طارق أمين، أن البنية التحتية الحوسبية الإنتاجية التي طُورت بالشراكة مع «إيه إم دي» و«سيسكو» بدأت العمل فعلياً، مع استهداف نشر 250 ميغاوات إضافية بحلول عام 2027 والوصول إلى غيغاوات كامل بحلول عام 2030، معتبراً أن القيادة أدركت مبكراً أن الذكاء الاصطناعي تقنية تأسيسية وليست مجرد عنصر مضاف.
وانتقلت مبادرات «هيومين» كذلك نحو الذكاء الاصطناعي الميداني عبر تحالف مع «أبلايد إنتويشن» لنشر آلاف الشاحنات ذاتية القيادة على الممرات اللوجستية الرئيسية بحلول عام 2030، كخطوة أولى لتأسيس شبكة نقل ذاتية القيادة تمتد لاحقاً نحو الموانئ والزراعة والبناء. وتزامن ذلك مع سباق لتأمين مراكز البيانات؛ إذ وقعت الشركة اتفاقية مع «أمازون ويب سيرفيسز» لتوفير قدرة تصل إلى 50 ميغاوات لأول منطقة ذكاء اصطناعي بحلول عام 2028، تزامناً مع استعداد «أمازون» لإطلاق منطقتها السحابية المدعومة باستثمار يتجاوز 5.3 مليار دولار في ديسمبر المقبل. وأعلنت شركة «المعمر لأنظمة المعلومات» شراكة لرفع سعة مراكز بياناتها إلى 192 ميغاوات، بينما تجهز «مايكروسوفت» لإطلاق منطقة سحابية في المنطقة الشرقية خلال نوفمبر، والتي قدر رئيس «مايكروسوفت العربية» أيمن الغامدي مساهمتها الاقتصادية بـ44 مليار دولار وتوفيرها 100 ألف وظيفة، 33% منها في الذكاء الاصطناعي والحوسبة. وتتكامل تلك المشاريع مع مجمع «هيكساغون» التابع للهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا» في الرياض بطاقة متوقعة تبلغ 480 ميغاوات كأكبر مركز بيانات حكومي عالمياً، فضلاً عن منشأة «لينوفو» المشتركة مع شركة «آلات» لإنتاج الحواسيب والخوادم على مساحة 200 ألف متر مربع، والتي كشفت عن أول حاسوب محمول مصنع محلياً.
ولم تعد هذه القدرات حبيسة الخوادم، بل دخلت الإجراءات التشغيلية اليومية؛ حيث استعرضت المديرية العامة للجوازات بوابة إلكترونية غير تلامسية تعتمد على تمرير اليد بدلاً من التدقيق الورقي، بينما كشف مدير مركز المعلومات الوطني في «سدايا» عصام الوقيت أن تطبيق «توكلنا» بات يعالج أكثر من أربعة مليارات عملية شهرياً على مدى النصف عام الأخير. وامتد التوظيف إلى منصة سياحية رقمية تابعة لوزارة السياحة، وتقنيات شركة «تحكم» للمراقبة وتتبع الشحنات ومحاكاة إدارة الحشود، إضافة إلى سيطرة التداول الخوارزمي على نحو ربع حجم التداولات في سوق الأسهم، وتوسع الأندية والمنشآت الرياضية في الاعتماد على الخوارزميات لاستقطاب اللاعبين وإدارة الطاقة وسلامة الملاعب.
هذا الحشد الاستثماري يعيد تشكيل أولويات البناء التقني في المنطقة بأسرها. فالانتقال إلى نماذج مفتوحة الأوزان مثل «هيومين إم 3» وتوفير منصات تفهم اللهجات الشامية والمصرية والمغاربية يتيح للشركات التقنية والناشئة في الخليج والقاهرة وعمّان تجاوز القيود المالية لواجهات الاستدلال المغلقة التي تتقاضى رسومها بالعملات الصعبة. كما أن توطين مراكز البيانات الضخمة يقلل زمن الاستجابة ويعزز أمان الأنظمة المصرفية والحكومية داخل الحدود الإقليمية، مما يفرض على الكوادر الهندسية تحويل مهاراتهم من مجرد تركيب واجهات المستخدم إلى إدارة البنى الحوسبية الثقيلة وتطويع النماذج الخوارزمية داخل سلاسل العمليات الفعلية.
تكشف مجريات «ليب 2026» أن الرهان على الذكاء الاصطناعي انتقل من مرحلة استهلاك النماذج واستيراد المنصات السحابية إلى بناء السيادة الرقمية على المكونات الصلبة؛ فامتلاك مراكز الطاقة ومصانع الأجهزة وسلاسل النقل الذاتي يمثل الأساس الفعلي الذي يحدد قدرة المؤسسات الإقليمية على المنافسة وحماية عملياتها الحيوية في السنوات المقبلة.