تخطَّ إلى المحتوى

نيويورك تحاصر تطبيقات الذكاء الاصطناعي محليا بعد تنحي واشنطن لصالح التنظيم الذاتي للشركات

شارك المقال
نيويورك تحاصر تطبيقات الذكاء الاصطناعي محليا بعد تنحي واشنطن لصالح التنظيم الذاتي للشركات
الصورة: Pascal Bernardon / Unsplash

في قاعة «ويبستر هول» بمانهاتن، اختار عمدة نيويورك زهران ممداني أن يفكك السردية الأكثر ترويجًا في وادي السيليكون: فكرة أن التوسع الجارف لتقنيات الذكاء الاصطناعي قدر حتمي لا فكاك منه. أمام تجمع نظمته مؤسسة «إيه آي ناو»، وقف ممداني بصحبة الناشطة إيلانا غليزر ليوجه رسالة صريحة لسكان مدينته تدعوهم إلى استعادة زمام المبادرة ورفض الاستسلام لمخاوف فقدان الوظائف أو استلاب عقول الأطفال، في لحظة اختارت فيها الإدارة الفيدرالية في واشنطن التنحي شبه الكامل عن وضع تشريعات ملزمة، تاركة المدن والبلديات في مواجهة مباشرة مع عمالقة التقنية.

تنحي الرقابة الفيدرالية لصالح التنظيم الذاتي يفتح الباب لهروب الشركات من المساءلة. انتقد ممداني اختزال النقاش الوطني في الولايات المتحدة داخل إطار «سباق تسلح» مع الصين، وهو توصيف يجري استدعاؤه لتنحية الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية جانبًا باسم المنافسة القومية. هذا المسار تعزز مع إعلان «فريق عمل الذكاء الفائق» التابع للرئيس دونالد ترامب في وقت سابق من هذا الشهر، والذي ركز جهوده على تمكين الشركات المطورة من تنظيم نفسها ذاتيًا بدلًا من سن قيود قانونية صارمة، على الرغم من تصاعد التحذيرات الداخلية التي أطلقها موظفون كشفوا تجاوزات داخل «أنثروبيك» و«غوغل ديب مايند» و«أوبن إيه آي» حول مخاطر قد تهدد الوجود البشري.

ربط ممداني هذا الانكفاء التشريعي بمصالح مالية مباشرة تقترب استحقاقاتها في وول ستريت. ووفق تصريحاته، فإن محاولة إظهار الذكاء الاصطناعي بوصفه نظامًا معصومًا لا يقبل التشكيك ولا يملك أحد تنظيمه إلا من يبنيه، تعيد إلى الأذهان الحجج ذاتها التي روجتها منصة «فيسبوك» عام 2008 للتهرب من المساءلة وحماية تقييمات الشركات قبل طرح أسهمها للاكتتاب العام. وتأتي هذه المواجهة في توقيت حساس، حيث يُنتظر ظهور «أنثروبيك» في الأسواق العامة هذا العام، بينما حددت «أوبن إيه آي» عام 2027 موعدًا لطرحها العام المرتقب، مما يضاعف حوافز حجب العيوب وتفادي القيود التنظيمية لتعظيم القيمة السوقية.

تحركت بلدية نيويورك بإجراءات عملية لملء الفراغ التشريعي وتثبيت الرقابة. أصدر ممداني الشهر الماضي قرارًا بحظر استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في المدارس الابتدائية والإعدادية بعد تصاعد القلق من فرضها قسرًا داخل الفصول الدراسية دون موافقة أولياء الأمور. وعزز ذلك بسياسة أُقرت خلال الصيف تلزم ملاك العقارات والوسطاء والمنصات العقارية بالإفصاح الصريح عند استخدام الذكاء الاصطناعي في تعديل صور الإدراجات العقارية أو مقاطع الفيديو، لحماية المستأجرين والمشترين من عمليات التضليل والاحتيال البصري.

وحذر ممداني من التبني المتهور للتقنية دون إدراك قيودها البنيوية، مستشهدًا بما نقله مسؤولون في تحقيقات وزارة الدفاع الأمريكية لوكالة «بلومبرغ»، حول ضربة عسكرية أمريكية استهدفت مدرسة في إيران خلال فبراير وأسفرت عن مقتل أكثر من 150 شخصًا بينهم ما لا يقل عن 123 طفلًا، حيث ثبت أن الاعتماد المفرط على خوارزميات الاستهداف كان أحد العوامل المسببة للواقعة. هذه الوقائع تكشف الثمن الفادح لتصوير النماذج الحسابية كأدوات معصومة وتفويض القرارات المصيرية لها بلا رقابة بشرية دقيقة.

الاعتماد الإقليمي على التعهدات الطوعية للمزودين ينطوي على مخاطرة استراتيجية مباشرة. هذا الصدام البلدي في نيويورك يرسم معالم تحول يمس المؤسسات في الخليج ومصر والمشرق العربي؛ فمع تسارع المصارف والهيئات الحكومية وشركات التطوير العقاري في المنطقة نحو دمج هذه النماذج التوليدية في خدماتها، تصبح المراهنة على «التنظيم الذاتي» لعمالقة التقنية الأمريكيين خطوة غير مأمونة العواقب. إن تسليم الشركات بسلامة النماذج لمجرد إفادات مزوديها يعرض مشاريع الأتمتة المحلية لمخاطر التضليل العقاري والمالي أو العيوب الخوارزمية غير المتوقعة. ما يتغير اليوم أمامك كمسؤول تقني أو تنفيذي في الرياض وأبوظبي والقاهرة هو ضرورة الانتقال من موقع المستهلك للخدمات السحابية الجاهزة إلى بناء أطر تدقيق واختبار محلية صارمة، تفرض معايير إفصاح إلزامية على مخرجات الذكاء الاصطناعي الموجهة للجمهور، وتمنع تفويض القرارات الحيوية إلى أنظمة استدلال تتهرب الشركات المطورة لها من تحمل تبعاتها القانونية قبل إدراجها في البورصة.

إن دعوة ممداني إلى بناء إطار مختلف لمساءلة الذكاء الاصطناعي تكشف حقيقة المرحلة المقبلة عالميًا: البرمجيات التي تُسوّق كأنظمة معصومة لا تزال محفوفة بقيود جوهرية، والاعتماد عليها دون رقابة مؤسسية صارمة يضع المستخدم في مواجهة مباشرة مع أخطاء لا يتحمل مطوروها مسؤوليتها.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد