واشنطن تعزل «ديب سيك» عن الوكالات المدنية وتلاحق البرمجيات المدمجة بتقنياتها
أصدرت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية توجيهًا يلزم الوكالات المدنية الفيدرالية بوقف شراء أي خدمات أو منتجات طورتها شركة الذكاء الاصطناعي الصينية «ديب سيك»، والبدء الفوري بإزالة تقنياتها بالكامل من الأنظمة الحكومية القائمة. هذا القرار لا يكتفي بحظر المنتجات المباشرة للشركة الصينية، بل يمتد ليشمل أي برمجيات أو خدمات تابعة لأطراف ثالثة بُنيت بالاعتماد على بنيتها التقنية، مع إتاحة نافذة استثنائية مشروطة بطلبات خاصة تدرسها الجهات الفيدرالية.
تستند واشنطن في قرارها الجديد إلى مخاوف متصلة بالأمن القومي وحماية البيانات الحكومية الحساسة، محذرة من إمكانية وصول السلطات الصينية إلى مدخلات ومعلومات المستخدمين الحكوميين بموجب القوانين المحلية المعمول بها في الصين. ويمثل هذا التوجيه توسيعًا شاملًا لحصار سابق أقرّه المشرعون الأمريكيون في قانون صدر خلال ديسمبر 2025 واقتصر حينها على أنظمة الاستخبارات والأمن القومي، لينتقل الحظر اليوم إلى كافة مفاصل الجهاز المدني للحكومة الأمريكية، شاملًا المشتريات الجديدة وعمليات التطهير التقني لما هو قيد التشغيل بالفعل.
في المقابل، ردت بكين رسميًا على لسان المتحدثة باسم وزارة الخارجية ماو نينغ، التي أعلنت رفض بلادها لما وصفته بالتوسع المفرط في مفهوم الأمن القومي وتسييس قضايا التجارة والتكنولوجيا، مؤكدة عزم الصين الدفاع بحزم عن الحقوق والمصالح المشروعة لشركاتها. وتتزامن هذه المواجهة مع تحركات صينية موازية لبحث فرض قيود تصدير على 23 تقنية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، تشمل تصاميم الرقائق ونماذج متقدمة محددة، بداعي مواجهة مخاطر الاستخدام وإدارة الأمان.
الصدام التنظيمي يعيد إلى الواجهة ملفات الشفافية وأساليب التدريب التي رافقت صعود المختبر الصيني منذ مطلع عام 2025، حين أحدث نموذج «آر 1» هزة عنيفة في أسواق التقنية وتسبب في هبوط حاد لأسهم «إنفيديا» بفضل تقديمه نماذج مفتوحة الأوزان ومنخفضة التكلفة نافست شركات كبرى مثل «أوبن إيه آي» و«ميتا». وقد واجهت «ديب سيك» اتهامات أمريكية متلاحقة في تقرير صدر خلال سبتمبر، شمل أيضًا شركتي «علي بابا» و«مون شوت إيه آي»، باللجوء إلى تقطير النماذج واستخراج البيانات من أنظمة أمريكية. وكانت «أوبن إيه آي» قد أبلغت مشرعين أمريكيين بوجود محاولات مشتبهة لتقطير نماذجها، بينما أكدت «أنثروبيك» رصد محاولات غير مصرح بها لجمع مخرجات نموذجها «كلود» لصالح مختبرات صينية.
هذا التحول يحمل دلالات مباشرة لمديري التقنية والشركات البرمجية في الخليج ومصر والمنطقة العربية عمومًا؛ فكثير من فرق التطوير المحلية اتجهت إلى اعتماد النماذج مفتوحة الأوزان الصينية لتقليص تكاليف الاستدلال والحوسبة داخل تطبيقاتها المؤسسية. لكن دخول الحظر الأمريكي على خط المنتجات المدمجة يعني أن أي منصة برمجية إقليمية تستخدم تقنيات «ديب سيك» في بنيتها التحتية ستواجه عائقًا تعاقديًا ورقابيًا إذا سعت للمنافسة على عقود دولية أو الشراكة مع جهات ترتبط بسلاسل الإمداد المؤسسي للولايات المتحدة. قرار بناء النظم البرمجية لم يعد يقتصر على حساب كلفة الخوادم، بل يفرض تدقيقًا صارمًا في نسب الكود وشهادات منشأ النموذج لتفادي الفرز التنظيمي.
وعليه، فإن المطور أو المستشار التقني في المنطقة بات مطالبًا اليوم بفصل طبقات الاستدلال بوضوح، واختبار مدى قدرة بنيته البرمجية على استبدال النماذج دون تعطيل الخدمة، حتى لا يتحول الخيار الأرخص حوسبيًا إلى عبء تنظيمي يحرم الحلول المحلية من الانتشار في الأسواق المترابطة عالميًا.