تخطَّ إلى المحتوى

قراءة النبض الكهربائي للنباتات بالذكاء الاصطناعي: مستشعرات منخفضة التكلفة توفر خمس مياه الري

شارك المقال
قراءة النبض الكهربائي للنباتات بالذكاء الاصطناعي: مستشعرات منخفضة التكلفة توفر خمس مياه الري
الصورة: Dan Meyers / Unsplash

تبدأ القصة من تجربة غير مألوفة، نبات منزلي وُصلت أنسجته الحية بدائرة تحكم وقاعدة متحركة تدفعه نحو مصدر الضوء كلما سرت فيه إشارات كهربائية تعبر عن حاجته إلى الطاقة. تلك التجربة العلمية دفعت جاستن ماست، مع عالم الأعصاب لي فون كراوس الذي عمل سابقًا مع وكالة مشاريع الأبحاث الدفاعية المتقدمة «داربا»، إلى تأسيس شركة «إلكتريك بلانت» بهدف تفكيك شفرة الإشارات الحيوية الصامتة داخل النباتات. على مدى ثلاثة أعوام، عكف الفريق على جمع البيانات الحيوية لتدريب نموذج لغوي كبير أُطلق عليه اسم «بومباديل»، قادر على ترجمة النبضات الكهربائية الدقيقة المتدفقة في سيقان النباتات، وتحويلها إلى بيانات مفهومة تحدد احتياجات المحصول بدقة للمزارعين.

اعتمد المزارعون ومديرو الغابات لعقود على أدوات تقليدية تقريبية لقراءة متطلبات الحقول من المياه والمغذيات والضوء، مستعينين بمجسات التربة، ومقاييس الطيف المحمولة، والتصوير عبر الأقمار الاصطناعية. ورغم تقدم تلك التقنيات، فإنها تظل أدوات مراقبة خارجية متأخرة عن الاحتياجات اللحظية للكائن الحي. هنا يكمن الفارق الجوهري الذي تقدمه الشركة الناشئة، إذ طورت مستشعرات بحجم هاتف «آيفون» مطوي طوليًا تُثبت مباشرة على جذع النبات بواسطة براغٍ من الفولاذ المقاوم للصدأ. تخترق هذه البراغي طبقة «الكامبيوم»، وهي طبقة النسيج الحي النشط القابعة تحت اللحاء مباشرة، لالتقاط التغيرات الكهربائية اللحظية بمقياس الميكروفولت، وإرسالها عبر شبكة لاسلكية منخفضة الطاقة إلى محطة وسيطة، وصولًا إلى السحابة لمعالجتها بواسطة النموذج الذكي.

استماع مباشر لخلايا النبات يكسر هيمنة معدات الاستشعار الباهظة في الحقول.

لا تقتصر المسألة على ابتكار مستشعر فيزيائي، بل تمتد إلى تغطية بيولوجية غير مسبوقة، إذ دُرب النموذج على قراءة الإشارات الكهربائية لنحو 125 نوعًا نباتيًا مختلفًا، من الطماطم والداليا إلى السرخسيات وأشجار الخشب الأحمر العملاقة، وهو ما يجعله أكثر النماذج تنوعًا في التعامل مع الإشارات الحيوية بحسب تأكيد مؤسسيه. أضف إلى ذلك الفارق الاقتصادي الحاسم، فبينما تكلف أدوات القياس الطيفي والتحليل الفيزيائي آلاف الدولارات، لا تتجاوز كلفة هذه المستشعرات بضع عشرات من الدولارات، وتكفي وحدتان أو ثلاث منها لكل فدان لتقديم نتائج موثوقة تمكّن المزارع من إعادة ضبط جداول الري والتسميد بدقة غير متاحة سابقًا.

جمعت «إلكتريك بلانت» جولة تمويل تأسيسية بقيمة 11.2 مليون دولار قادتها «أونتو فينشرز» و«كلايمكتك»، بمشاركة مستثمرين بارزين من بينهم «إنديفور كاتاليست»، و«لودلو»، و«ميشيغان رايز»، و«ذا فند»، و«شوكس في سي»، ودوغ سونغ. يستهدف هذا التمويل تسويق المستشعرات ونموذج «بومباديل» تجاريًا في قطاعي الزراعة والغابات. وتشير بيانات الشركة وتأكيدات رئيسها التنفيذي إلى أن النظام قادر على رفع إنتاجية المحاصيل بالتوازي مع خفض استهلاك المياه بنسبة تبلغ 20 بالمئة أو تزيد، وهو رقم يحمل ثقلًا تشغيليًا استثنائيًا في بيئات الإنتاج الزراعي المكثف والبيوت المحمية.

هذا التحول في فيزياء الاستشعار الزراعي يلامس مباشرة صلب التحديات التشغيلية في الخليج ومصر وبلاد الشام، حيث تمثل كلفة تحلية المياه وضخها العبء الأكبر على الميزانيات الزراعية والمشاريع المحمية. الاعتماد السائد في المزارع الصحراوية اليوم يرتكز على رطوبة التربة أو صور الأقمار الاصطناعية التي لا تلتقط إجهاد المحصول إلا بعد حدوثه وتغير لون أوراقه؛ ما يعني أن القرار الزراعي يأتي دائمًا كرد فعل متأخر يستهلك كميات إضافية من المياه للتعويض. إن الانتقال إلى مجسات تقرأ الإجهاد المائي من داخل النسيج الحي بتكلفة عشرات الدولارات فقط للوحدة، يمنح مديري البيوت الزجاجية ومزارع الاستصلاح الصحراوي في المنطقة قدرة غير مسبوقة على جدولة الري بالقطرة، وتحويل وفر العشرين بالمئة في استهلاك المياه إلى خفض مباشر وفوري في فواتير الطاقة والتشغيل، فضلًا عن تقليل هدر المخصبات المستوردة.

القيمة الحقيقية للمزارع والمشروعات الإنتاجية اليوم تتجاوز التقاط صور عامة للحقول من الفضاء، لتستقر في استنطاق النسيج الحي ذاته قبل ظهور أعراض الجفاف أو نقص الغذاء على المحصول؛ فالاستجابة المسبقة لإشارة كهربائية مدتها ثوانٍ قد تحمي محاصيل بملايين الدولارات وتصنع الفارق بين موسم خاسر ومزرعة رابحة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد