سباق السيادة الرقمية في المنطقة: تنويع طبقة النماذج يسبق تدشين البنية التحتية للحوسبة
قبل أيام قليلة من انطلاق أعمال مؤتمر «ليب» في ملهم شمال الرياض، شهدت الساحة الإقليمية حركة متسارعة لترسيخ السيادة التقنية في مجال الذكاء الاصطناعي، تركزت في جوهرها على إبرام شراكات متعددة مع مختبرات النماذج المتقدمة بدلاً من الإعلان عن تشغيل مراكز الحوسبة الفيزيائية الموعودة. رصدنا خلال أسبوع واحد توقيع شركة «هيومان» (HUMAIN)، الذراع الوطنية السعودية للذكاء الاصطناعي، لاتفاقيتين بارزتين مع مطوري نماذج عالميين، لتضيف فرنسا والولايات المتحدة إلى شراكتها السابقة مع كندا، في مسار يستهدف تنويع موردي طبقة النماذج الذكية وتفادي الاعتماد الحصري على بنية تقنية من مصدر أحادي.
جاءت الخطوة الأولى في باريس عبر إعلان تعاون بين «هيومان» وشركة «ميسترال» الفرنسية بتمويل يُقدّر بمئات الملايين من اليورو، ويغطي تطوير النماذج والبنية التحتية والنشر الإقليمي مع التركيز مبدئيًا على الأمن السيبراني والصوت وبناء نماذج متقدمة عالية الأداء باللغة العربية. وأعقب ذلك بيومين إعلان شراكة استراتيجية مع «مايكروسوفت» لدمج نماذج «علّام» العربية ضمن بيئة الحوسبة السحابية التابعة لها. وقد اتسمت صياغة الاتفاق الأخير بطابع مشروط يركز على خطط الإتاحة المستقبلية دون تحديد موعد للإطلاق العام أو تسعير محدد، مع انتقال هادئ في نسبة النموذج إلى «هيومان» بعد أن طوّرته في الأصل الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي «سدايا».
تنويع مصادر النماذج يمنح المشترين المؤسسيين مرونة تفاوضية، لكنه يضع المشاريع أمام اختبار المواءمة البرمجية قبل اكتمال مراكز المعالجة المحلية. في المقابل، لم تسجل البيانات الرسمية حتى الآن تدشين مصفوفات مسرعات «بلاك ويل جي بي 300» البالغ عددها 18 ألف معالج، والتي كان مقررًا تشغيلها في الرياض والدمام بنهاية الربع الثاني، حيث يقتصر الحديث التنفيذي الراهن على عرض حلول تكامل الذكاء الاصطناعي للمنشآت دون تأكيد دخول مراكز البيانات حيّز الخدمة التشغيلية المباشرة.
وعلى المسار الموازي، صعدت أبوظبي خطوة تنظيمية وفنية بالانضمام إلى تأسيس معيار «تريس» (TRACE) المفتوح لضمان التحقق البرمجي وإثبات الامتثال أثناء التشغيل، عبر «معهد الابتكار التكنولوجي» وبالشراكة مع «إيه إم دي» و«إنتل» و«أوبيك» ومؤسسة «لينكس»، لنقل التركيز من مجرد تخزين البيانات محليًا إلى إثبات ما جرى تنفيذه حسابيًا وفق سياسات محددة وحوسبة موثوقة. وفي القاهرة، أطلقت وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات تجريبيًا منصة «كرنك شات» المبنية على تدقيق أوزان مفتوحة وتخصيصها لغويًا بالعامية المصرية والفصحى، مقترنة بمنظومة التحقق البيومتري للهوية الرقمية بالتعاون مع «سايشيلد»، كنموذج وطني منخفض الكلفة مقارنة بالإنفاق الرأسمالي الضخم على العتاد الصلب.
هذا التحول في هيكل السوق يغيّر حسابات القيادات التقنية ومديري البيانات في الخليج ومصر والشام؛ إذ لم يعد مطلوبًا من مهندس البرمجيات أو المستشار الرقمي انتظار استقرار معمارية حوسبة موحدة، بل بات لزامًا عليه بناء طبقات استدلال مرنة قادرة على التبديل بين أوزان «ميسترال» و«علّام» و«كوهير» بحسب قيود السيادة وتكلفة الذاكرة. وفي مصر والشام، يفتح نموذج «كرنك» والأنظمة مفتوحة المصدر مسارًا عمليًا للمؤسسات لبناء أدوات لغوية محلية بتكلفة استضافة متواضعة، بينما يفرض معيار «تريس» في الخليج متطلبات امتثال جديدة تجعل التدقيق في سياسات تشغيل البيانات وشهادات التشغيل الموثوق متطلبًا إلزاميًا للمناقصات الحكومية والمصرفية المقبلة.