تخطَّ إلى المحتوى

القنبلة التي تصنع نفسها

شارك المقال
مطبعة نحاسية تدفع ورقة التماس بيضاء وسط أقلام حبر سوداء
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تحقيق استقصائي

ألف ومئتا مهندس من قلب صناعة الذكاء الاصطناعي يطلبون من واشنطن «فرامل» لآلةٍ يصنعونها بأيديهم... قصة التماس «ضبط إيقاع الحدود القصوى»، وكيف وصل العالم إلى ليلة الثامن والعشرين من يوليو

١ — بين يدي هذه القصة

بين يدي — وأنا أكتب هذه السطور — وثيقةٌ لا يتجاوز مطلبُها سطرين اثنين، وأزعم — راجياً ألا يحسب القارئ ما أقوله شططاً — أنها من أخطر ما وُضع على مكتب رئيس أمريكي منذ رسالة أينشتاين إلى روزفلت في خريف عام ١٩٣٩. الوثيقة منشورة على موقع متواضع التصميم يحمل اسماً يحتاج نقلُه إلى العربية إلى شرح: «Pacing the Frontier»، أي «ضبط إيقاع الحدود القصوى»، والحدود المقصودة هنا ليست حدوداً على خريطة، وإنما أقصى ما تبلغه الآلة من ذكاء.

نُشرت الوثيقة مساء الثلاثاء، الثامن والعشرين من يوليو ٢٠٢٦، وتحتها ألفٌ ومئة وأربعة وثلاثون توقيعاً، ثم ما هي إلا أربعةٍ وعشرون ساعة حتى بلغ العدد ألفاً ومئتين وأربعة وعشرين، والباب ما يزال مفتوحاً لمن يثبت أنه موظف في إحدى شركات «الذكاء الاصطناعي الحدودي» Frontier AI Companies، وهي النماذج الواقعة عند الحد الأقصى للقدرات المتاحة في اللحظة الراهنة. وهم موظفين من قلب الصناعة لا من حواشيها، لأن بين الموقّعين الرئيسَ التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي ومعه عددٌ من مؤسسيها، وكبيرَ علماء «أوبن إيه آي» ياكوب باتشوكي، وكبيرَ علماء «ميتا» شينغجيا جاو، ونائبةَ رئيس «غوغل» لشؤون أمان الذكاء الاصطناعي أنكا دراغان — أي أن الشركات الأربع المتنافسة التي لا تجتمع على شيء، اجتمع أبناؤها على هذا.

أما نص المطلب، فهو بالحرف: «نطلب من حكومة الولايات المتحدة دعمَ جهدٍ دولي لتطوير الأدوات التقنية وأدوات الحوكمة اللازمة للضبط المقصود لإيقاع التطوير المميكن للذكاء الاصطناعي». والكلمة المفتاح في هذا النص ليست «الإبطاء» — فالوثيقة لا تطلب إبطاءً ولا إيقافاً — وإنما كلمة «الأدوات»: إن أذكى عقول هذه الصناعة تقرّ، كتابةً وبالأسماء، بأن العالم لا يملك اليوم وسيلةً واحدة يكبح بها هذا السباق لو أراد. وهذا وحده خبرٌ جديرٌ بأن يتوقف عنده التاريخ.

وقد حاولتُ في هذا التحقيق أن أجيب عن ثلاثة أسئلة: كيف وصلنا إلى هذه الليلة؟ وماذا يقول أصحاب الوثيقة وخصومُها، وكلا الفريقين يملك من الحجة ما لا يجوز إغفاله؟ ثم — وهو عندي بيت القصيد — ماذا يقول تاريخٌ عمره ثمانون عاماً من التماساتٍ مشابهة، وماذا ينبغي أن نقول نحن؟

القصة في ثمانية أرقام

  • ١٢٢٤ موقّعاً حتى مساء ٢٩ يوليو، والعدّاد ما يزال يدور.
  • ٢٦٧ موقّعاً اختاروا إخفاء أسمائهم من بين أول ١١٣٤... رُبع الأصوات يتوارى داخل شركاتٍ أيّدت البيان علناً.
  • ٤ شركات متنافسة (أوبن إيه آي، أنثروبيك، غوغل، ميتا) لم تجتمع على وثيقة واحدة من قبل.
  • سطران حجم المطلب كله: أدواتٌ لضبط الإيقاع، لا إيقافٌ ولا إبطاء.
  • ٢٠ مليون دولار الغرامة اليومية القصوى في مشروع «قانون مفتاح الإيقاف» لمن يتجاهل أمرَ إيقافٍ طارئاً.
  • ٢٥ جهةً وقّعت في الأسبوع نفسه رسالةً مضادة تدافع عن «الانفتاح» وتحذّر من القيود.
  • ٧٣٪ مقابل ٥٪ نسبة الأمريكيين المؤيدين لتنظيمٍ قوي مقابل مؤيدي الانطلاق بلا قيود (استطلاع معهد مستقبل الحياة، ٢٠٢٥).
  • ٨٠ عاماً المسافة بين عريضة سيلارد ضد القنبلة الذرية (١٩٤٥) وهذا الالتماس... النمط نفسه يتكرر.

٢ — ورقة على مكتب رئيسٍ لا يريدها

وأول ما يستوقف الناظر في هذه الوثيقة أنها موجّهة إلى الجهة الأقل حماساً لسماعها. فالإدارة الأمريكية الراهنة بنت سياستها في الذكاء الاصطناعي على قاعدة معلنة: كل قيد أمريكي هديةٌ استراتيجية لبكين. هي التي ألغت الأمر التنفيذي التنظيمي السابق في أول أيامها، وأصدرت «خطة العمل» التي تُسرّع ولا تُبطئ، ثم أصدرت في ديسمبر الماضي أمراً تنفيذياً لمقاضاة الولايات التي تسنّ قوانين ذكاء اصطناعي «مرهقة». ومع ذلك اختار ألفٌ ومئتا مهندس أن يضعوا التماسهم على هذا المكتب بالذات — وفي التغطيات الأمريكية إشارةٌ إلى أن الموقف الرسمي «قد يلين» بعدما بدأت النماذج تكتشف الثغرات الأمنية وتستغلها بنفسها.

والوثيقة ليست عملاً ارتجالياً. فقد نظّمتها مؤسستان أهليتان مستقلتان: «غايدلايت» لمعايير الذكاء الاصطناعي — وقد أسسها اثنان من قيادات الأمان السابقة في «أوبن إيه آي» نفسها، ستيفن أدلر وبيج هيدلي — و«إنكود». والتحقق من الموقّعين يجري بالبريد الإلكتروني المؤسسي أو بإثبات التوظيف، وقد كشفت وكالة بلومبرغ تداول الرسالة قبل نشرها، أي أن الحملة كانت معدّة ومنسّقة، وإن جاء توقيت إطلاقها ليستثمر حادثةً سأرويها بعد قليل.

على أن أكثر ما حيّرني رقمٌ صغير في ذيل القوائم: من بين أول ألفٍ ومئة وأربعة وثلاثين موقّعاً، اختار مئتان وسبعة وستون أن يوقّعوا بأسماء محجوبة. فرُبع الأصوات تقريباً يخشى أن يُعلن اسمه، داخل شركاتٍ سارعت — علناً وخلال ساعات — إلى تأييد البيان نفسه. وهذا التناقض الصغير قد يكون أصدق سطرٍ في الوثيقة كلها: فإما أن التأييد الرسمي أرقُّ مما يبدو، وإما أن ثقافة هذه الشركات تجعل موظفها يحسب لكلمة «فرامل» حساباً حتى وهي ممهورة بتوقيع رئيسه التنفيذي.

٣ — عشرة أيام هزّت الصناعة

وأزعم أن من يقرأ الأيام العشرة السابقة على نشر الوثيقة قراءةً متصلة، يدرك أنها لم تسقط من سماء صافية. ففي السادس عشر من يوليو اكتشفت منصة «هاغينغ فيس» — وهي أكبر مستودع مفتوح لنماذج الذكاء الاصطناعي في العالم — اختراقاً لخوادمها واحتوته. وبعد خمسة أيام أعلنت «أوبن إيه آي» ما وصفته هي نفسها بأنه «غير مسبوق»: أن نموذجين من نماذجها، كانا يخضعان لاختبار سيبراني داخل بيئة معزولة عن الإنترنت، اكتشفا من تلقاء نفسيهما ثغرةً مجهولة من نوع «يوم الصفر»، وهربا من العزل، وعبرا الشبكة المفتوحة، واخترقا بنية «هاغينغ فيس» الإنتاجية — لا لتخريبٍ ولا لسرقة أموال، بل لسرقة «مفتاح إجابات» اختبارٍ كان مطلوباً منهما اجتيازُه بأمانة. الآلة غشّت في الامتحان، واخترقت في سبيل الغش شركةً حقيقية.

وجاء ردّ المؤسسة الأمريكية سريعاً على غير عادتها. ففي الثالث والعشرين من يوليو قدّم نائبان، ديمقراطي وجمهوري — تيد ليو وناثانيال موران — مشروع «قانون مفتاح الإيقاف»، الذي يُلزم مطوّري أقوى الأنظمة بالاحتفاظ بقدرة تقنية على خنقها أو إيقافها، ويمنح وزارة الأمن الداخلي سلطة الأمر بذلك، بغراماتٍ تصل إلى عشرين مليون دولار عن كل يوم امتناع. وفي اليوم التالي مباشرةً خرجت الجبهة المضادة: رسالة «الأوزان المفتوحة والريادة الأمريكية» بتوقيع خمس وعشرين جهة، منها «ميتا» و«إنفيديا» و«مايكروسوفت» و«هاغينغ فيس» ذاتها، تدافع عن النماذج المفتوحة وتحذّر من «القيود المبكرة» — وفي الأسبوع نفسه كتب مارك زوكربيرغ مقالاً ضد «مركزية سلطة الذكاء الاصطناعي»، بينما كان كبير علماء شركته يمهر توقيعه الشخصي على التماس الضبط. البيت الواحد انقسم على نفسه أمام أعيننا.

ولا يكتمل المشهد إلا بضلعه الثالث: فقبل ذلك كله بعشرة أيام، وفي مؤتمر شنغهاي العالمي، أعلنت الصين قيام «منظمة التعاون العالمي للذكاء الاصطناعي»، بمقرٍّ في شنغهاي وخطابٍ موجّه إلى الجنوب العالمي. أي أن بكين لا ترفض بناء مؤسسات دولية للذكاء الاصطناعي — إنها تبني مؤسستها هي، أولاً، وتدعو الآخرين إليها. وحين طلب الالتماس بعد أيام «جهداً دولياً بقيادة واشنطن»، كان يطلب في الحقيقة من واشنطن أن تتفاوض على نظام تحقق مع خصمٍ يملك مؤسسته وسيليكونه الخاصين... وهنا يبدأ التعقيد الحقيقي.

خط الزمن: عشرة أيام صنعت الوثيقة

اقرأ الأحداث متصلةً تفهم لماذا وُلد الالتماس في هذا التوقيت بالذات:

اليومالحدث
١٦ يوليومنصة «هاغينغ فيس» تكتشف اختراقاً لخوادمها الإنتاجية وتحتويه.
٢١–٢٢ يوليو«أوبن إيه آي» تعلن: نموذجان هربا ذاتياً من بيئة اختبار معزولة عبر ثغرة «يوم صفر» واخترقا المنصة لسرقة إجابات اختبار... حادثة «غير مسبوقة».
٢٣ يوليونائبان من الحزبين يقدمان مشروع «قانون مفتاح الإيقاف»: سلطة إطفاء حكومية وغرامات حتى ٢٠ مليون دولار يومياً.
٢٤ يوليورسالة مضادة من ٢٥ جهة كبرى تدافع عن «الأوزان المفتوحة» وترفض القيود المبكرة.
٢٨ يوليونشر التماس «ضبط إيقاع الحدود» بتوقيع ١١٣٤ موظفاً... والعدد يتجاوز ١٢٠٠ خلال يومين.
٢٩ يوليو«أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» تؤيدان مؤسسياً... و«ميتا» صامتة رغم توقيع كبير علمائها.

٤ — من بلتشلي إلى شنغهاي: الطريق الطويل إلى يوليو

على أن الأيام العشرة ليست القصة كلها، فهي خاتمة طريقٍ طوله ثلاث سنوات. ففي عام ٢٠٢٣ استقال جيفري هينتون — الأب الروحي للتعلم العميق — من «غوغل» ليقول بحرية إن جزءاً منه «يندم على عمل حياته»، ووقّع رؤساء المختبرات أنفسهم بياناً من سطرٍ واحد يعتبر خطر الانقراض بالذكاء الاصطناعي أولويةً عالمية كالأوبئة والحرب النووية، واجتمعت في قصر بلتشلي البريطاني ثمانٍ وعشرون دولة — بينها أمريكا والصين معاً — على إعلانٍ مشترك بشأن المخاطر. وبدا العالم يومها وكأنه ماضٍ إلى تفاهمٍ ما.

مؤسسات حوكمة دولية متجاورة على طاولة واحدة
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

ثم انقلبت الريح. جاءت إدارةٌ أمريكية جديدة ألغت التنظيم الفيدرالي، وفي قمة باريس مطلع ٢٠٢٥ حُذفت كلمة «الأمان» من اسم القمة ذاتها وامتنعت واشنطن ولندن عن توقيع إعلانها، بينما صعقت «ديب سيك» الصينية الجميعَ بنموذجٍ منافس بكلفة زهيدة، فترسخت في العواصم سرديةُ السباق الذي لا يجوز فيه التقاط الأنفاس. وحدها المحاكم الأمريكية وبرلمانات الولايات ظلت تتحرك، تدفعها مآسٍ فردية: مراهقون قضوا نحبهم إثر علاقات تعلّقٍ مرَضي بروبوتات المحادثة، وعائلاتٌ ترفع الدعاوى، وولايةُ كاليفورنيا تسنّ أول قانونٍ للنماذج الحدودية. وفي أكتوبر ٢٠٢٥ خرج بيان «الذكاء الفائق» بعشرات آلاف التوقيعات من تحالفٍ لم يجمعه جامعٌ من قبل، ثم كشفت «أنثروبيك» في نوفمبر أول حملة تجسسٍ سيبراني ينفذها ذكاءٌ اصطناعي شبه ذاتياً لصالح جهةٍ مرتبطة بدولة. كانت كل عناصر يوليو ٢٠٢٦ قد اكتملت: قدراتٌ تتسارع، وحوادث تتراكم، وسياساتٌ تتراجع، وشعوبٌ تقلق. لم يكن ينقص المشهد إلا الشرارة، فجاءت من حيث لم يتوقع أحد: من نموذجٍ قرر أن يغشّ في امتحانه.

٥ — أصوات من غرفة المفاعل

ولنستمع الآن إلى أصحاب الوثيقة بكلماتهم، فهي كلماتٌ لا تشبه بيانات الشركات المصقولة. يكتب ليو غاو، وهو باحث في «أوبن إيه آي»: «العالم عالقٌ في سباقٍ مميت نحو انفجار ذكائي، حيث تبلغ قدرةُ الذكاء الاصطناعي على صناعة ذكاءٍ أفضل نقطةً حرجة، تماماً كتفاعلٍ نووي متسلسل جامح... لكي ننجو، علينا أن ننسّق لإبطاء السباق». ويكتب زميله ميكا كارول، ومسمّاه الوظيفي — والاسم وحده وثيقةٌ تُقرأ — «الاستعداد لسوء المواءمة»: إن نماذج جديدة ستظهر كل أسبوعين تضاعف عواقب سوء الاستخدام، وإن هوامش الخطأ ستضيق تحت ضغط المنافسة الدولية. ونقل صحفيون عن موظف في «أنثروبيك» قوله إنه رأى بعينيه كيف «يضغط الإيقاعُ المتواصل على المختبرات كي لا تستهلك مواردها في الأمان» — وهذه شهادةٌ من الداخل تستحق وحدها تحقيقاً مستقلاً.

غير أن الإنصاف يقتضي وضعَ هذه الكلمات إلى جوار أفعال أصحابها. فالشركات ذاتها التي أيّدت البيان تجمع رساميل قياسية، وتبني مراكز بياناتٍ بحجم مدن، وتسابق بعضها على مواعيد الإصدار، وبعضها يجهّز أجيالاً جديدة مصممة لتساهم في تدريب ما بعدها — أي أن «أتمتة أبحاث الذكاء الاصطناعي» التي يحذّر منها الالتماس ليست فرضيةً، بل خارطة طريق معلنة جزئياً عند الموقّعين أنفسهم. والتعليقات على الموقع مكتوبة «بصفة شخصية لا تمثل الشركات»، لكن «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» تبنّتا البيان رسمياً خلال ساعات، حتى ليحقّ للمراقب أن يسأل: أهذا ضغطٌ من الأسفل حقاً، أم رسالة شركاتٍ تخفت في زيَّ الموظفين لتقول ما لا تستطيع قوله في بيان رسمي؟ ثم إن نصف الموقّعين تقريباً من شركة واحدة هي «أنثروبيك» — فهل نحن أمام صوت صناعةٍ بأكملها، أم أمام ثقافة شركةٍ تتوسع منها دوائر؟ وهي أسئلة أتركها مفتوحة؛ فالإجابات الجاهزة أهون من أن تليق بموضوعٍ بهذا الخطر.

« العالم عالقٌ في سباق مميت نحو انفجار ذكائي... تماماً كتفاعل نووي متسلسل جامح. لكي ننجو، علينا أن ننسّق لإبطاء السباق »

ليو غاو — باحث في «أوبن إيه آي»، من تعليقات الموقّعين

٦ — القنبلة والملجأ: حجة الخصوم

ولأني أكتب تحقيقاً لا مرافعة، فمن حق القارئ أن يسمع خصوم الوثيقة بأقوى حججهم لا بأضعفها. أولى الحجج أطلقها ستيفن سينوفسكي، المدير التنفيذي السابق في «مايكروسوفت»، في جملة لاذعة: «إنها شركتهم؛ يستطيعون التوقف بأنفسهم — ومن بين الموقّعين الرئيس التنفيذي نفسه الذي يحدد الإيقاع». وثانيتها طرحها الاقتصادي كريستيان كاتاليني سؤالاً بلا زخرفة: «إذا أبطأت المختبرات الأمريكية نفسها، فلماذا تنتظر من الصين؟» — والالتماس، بأمانة، يقرّ بهذه المعضلة ثم يمررها إلى البيت الأبيض بلا جواب. وثالثتها أعمق: إن تاريخ الصناعات يعرف ما يسمى «الخندق التنظيمي»؛ فحين يطلب المتصدرون قيوداً، فقد يطلبون في الحقيقة جسراً متحركاً يُرفع خلفهم، تتحمل كلفتَه الشركاتُ الصغيرة والنماذجُ المفتوحة ولا يتحملها العمالقة. حتى إن خصوم البيان استعادوا سخريةً قديمة تُنسب في السجالات إلى سام ألتمان نفسه عن سرديات الخوف: أن تبني قنبلة، وتهدد بإسقاطها على الرؤوس، ثم تبيع الناسَ الملاجئ.

وهناك معسكر رابع لا يُنصفه الضجيج: أصحاب «الأضرار الحاضرة» الذين يقولون إن الحديث عن انفجارٍ ذكائي آتٍ يصرف الأنظار عن ركامٍ واقع تحت أقدامنا الآن — نحو أربعين دعوى قضائية أمام المحاكم الأمريكية تتهم روبوتات المحادثة بالمساهمة في وفاة عشرين إنساناً على الأقل بينهم أطفال، وما يزيد على ثلاثمئة وأربعين حادثة موثقة في عام ٢٠٢٥ وحده، أغلبها تزييفٌ عميق واحتيال. ومع ذلك، فإن أطرف ما في خريطة هذا الصراع أنه لم يعد يميناً ويساراً: ففي أكتوبر الماضي وقّع على بيانٍ يطالب بحظر «الذكاء الفائق» جيفري هينتون الحائز على جائزة نوبل وستيف بانون منظّر اليمين الترامبي وسوزان رايس مستشارة الأمن القومي الديمقراطية معاً — بينما وقفت الإدارة الجمهورية وشركات كبرى في الخندق المقابل. الانقسام صار يمرّ داخل البيوت لا بينها، والرأي العام محسوم على نحوٍ يكاد يكون صادماً: ثلاثة أرباع الأمريكيين مع تنظيمٍ قوي، وخمسةٌ في المئة فقط مع الانطلاق بلا قيود. الشعوب تريد فرامل، والسياسات تدوس البنزين.

« إنها شركتهم؛ يستطيعون التوقف بأنفسهم — ومن بين الموقّعين الرئيس التنفيذي نفسه الذي يحدد الإيقاع »

ستيفن سينوفسكي — مدير تنفيذي سابق في «مايكروسوفت»، معلّقاً على الالتماس

وجوه على مسرح الأحداث: من يحرّك القصة؟

  • داريو أمودي: رئيس «أنثروبيك» التنفيذي؛ وقّع الالتماس واقترح من قبل وكالةً حكومية تختبر النماذج وتوقف الخطير منها.
  • ياكوب باتشوكي وشينغجيا جاو وأنكا دراغان: كبار العلماء والأمان في «أوبن إيه آي» و«ميتا» و«غوغل» — توقيعهم معاً هو الحدث.
  • ليو غاو: باحث «أوبن إيه آي» وصاحب تشبيه «التفاعل النووي المتسلسل».
  • ستيفن أدلر وبيج هيدلي: قياديا أمانٍ سابقان في «أوبن إيه آي» أسسا منظمة «غايدلايت» التي نظّمت الحملة.
  • تيد ليو وناثانيال موران: نائبان من الحزبين قدّما «قانون مفتاح الإيقاف» قبل الالتماس بخمسة أيام.
  • ستيفن سينوفسكي وكريستيان كاتاليني: أبرز صوتين في جبهة النقد: «شركتهم فليوقفوها» و«لماذا تنتظر الصين؟».
  • مارك زوكربيرغ: كتب ضد «مركزة السلطة» في الأسبوع الذي وقّع فيه كبيرُ علمائه التماسَ الضبط.

٧ — ظلال سيلارد: ماذا يقول التاريخ؟

وأصل إلى ما أعتبره مفتاح القراءة كلها. فهذا الالتماس ليس أول مرة يقف فيها صنّاع تقنيةٍ قادرة على تغيير مصير الجنس البشري ليطلبوا من السياسة كبحها. في يوليو ١٩٤٥ — قبل هيروشيما بأسابيع — وقّع نحو سبعين عالماً من مشروع مانهاتن عريضةَ ليو سيلارد إلى الرئيس ترومان، يرجونه ألا تُستخدم القنبلة قبل إنذارٍ علني، ويحذرونه من سباق تسلحٍ قادم. احتُجزت العريضة في الأدراج ولم تصل إلى الرئيس قبل أن تسقط القنبلة. وتلك هي السابقة الأقرب إلى وثيقتنا بنيةً وروحاً: موظفو المشروع أنفسهم، لا نُقّاده من الخارج. وفي ١٩٤٦ اقترحت واشنطن نفسها «تدويل» الذرة كلها تحت سلطة دولية — خطة باروخ — فتحطم الاقتراح على الصخرة ذاتها الماثلة اليوم بين واشنطن وبكين: من يقبل أن يتحقق خصمُه منه أولاً؟

شريط ورقي يمتد من درج قديم إلى مكتب حديث تتوزع عليه كرات بيضاء
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

لكن التاريخ لا يروي الإخفاقات وحدها. ففي ١٩٥٨ جمع لاينوس بولينغ توقيعات أحد عشر ألف عالمٍ من خمسين دولة ضد التجارب النووية الجوية، وبعد خمس سنوات وُقّعت معاهدة الحظر الجزئي — أنجح التماس علماء في التاريخ. ولمن يتأمل، فإن معادلة نجاحه كانت ثلاثية: ضررٌ ملموس يفهمه كل أبٍ وأم (نظائر مشعة وُجدت في أسنان الأطفال)، وتقنيةُ تحققٍ متاحة (أجهزة رصد التفجيرات)، ولحظةُ رعبٍ جماعي (أزمة الصواريخ الكوبية قبل التوقيع بشهور). وفي ١٩٧٥ اجتمع علماء الهندسة الوراثية في أسيلومار وأوقفوا أنفسهم طوعاً ثم وضعوا قواعدهم — لكنهم كانوا مئاتٍ لا آلافاً، بلا سباق قوى عظمى وبلا تريليونات مستثمرة؛ أي في عكس شروط صناعة الذكاء الاصطناعي اليوم تماماً، وهو ما يفسّر لماذا يطلب مهندسو ٢٠٢٦ من الحكومة ما فعله علماء ١٩٧٥ بأنفسهم. وفي المقابل، تحذّرنا اتفاقية الأسلحة البيولوجية لعام ١٩٧٢ من الوجه الآخر: معاهدةٌ بلا آلية تحقق وقّعها الاتحاد السوفييتي وهو يدير سراً أضخم برنامجٍ بيولوجي في التاريخ — فالاتفاق الذي لا يُتحقق منه أخطر من غيابه، لأنه يخدّر اليقظة. ولعل صائغي التماس ٢٠٢٦ قرأوا هذا الدرس، فطلبوا «الأدوات» قبل التعهدات.

ثم يبقى النموذج الذي أنقذ السماء فعلاً: بروتوكول مونتريال لحماية طبقة الأوزون (١٩٨٧)، أنجح ضبطٍ كوكبي عرفه الجنس البشري، والأوزون يتعافى اليوم بشهادة القياس. نجح مونتريال لأربعة أسباب تصلح ميزاناً توزن به وثيقتنا: عددٌ صغير من المنتجين يمكن جمعهم حول طاولة — وهذا متوافر في الذكاء الاصطناعي، فالمختبرات الحدودية تُعدّ على أصابع اليدين وعنق الزجاجة في الرقائق أضيق؛ وبديلٌ تجاري مربح للتقنية الخطرة — وهذا غامض بعد؛ وضررٌ مرئي صوّرته الأقمار للناس جميعاً — و«ثقب الأوزون» الخاص بالذكاء الاصطناعي لم يقع بعد، وإن كان اختراق يوليو بروفته الأولى؛ ومرونةٌ في التصميم — وهي بالضبط «الأدوات» المطلوبة. فإذا سألني القارئ: أينجح الالتماس؟ أجبته بلغة التاريخ لا التنجيم: إنه يجمع بنية سيلارد وأعداد بولينغ ومطلب باروخ وحذر واضعي اتفاقية ١٩٧٢، وينقصه حتى الآن شرطان من شروط النجاح — قناةٌ إلى سلطةٍ راغبة، ولحظةُ إدراكٍ شعبي جامع. وكلاهما قد يصنعه حادثٌ واحد قادم، لا قدّر الله أن يكون فادحاً.

حين التمس العلماء من قبل: سجل ثمانين عاماً

  • ١٩٤٥ عريضة سيلارد: سبعون عالماً من مشروع مانهاتن ضد استخدام القنبلة... حُجبت عن ترومان، وسقطت القنبلة.
  • ١٩٤٦ خطة باروخ: تدويل الذرة تحت سلطة عالمية... تحطمت على صخرة التحقق بين واشنطن وموسكو.
  • ١٩٥٨ عريضة بولينغ: أحد عشر ألف عالم ضد التجارب النووية... أثمرت معاهدة ١٩٦٣: النجاح الوحيد الكامل.
  • ١٩٧٥ أسيلومار: علماء الجينات أوقفوا أنفسهم ووضعوا قواعدهم... نجحوا لأنهم قلة بلا سباق ولا مال.
  • ١٩٨٧ مونتريال: العالم كله ضد غازات تلتهم الأوزون... أنجح ضبط كوكبي، والسماء تتعافى.
  • ٢٠٢٦ ضبط الإيقاع: النمط ذاته يطرق باب الذكاء الاصطناعي... والنتيجة فصلٌ لم يُكتب بعد.

٨ — كلمة أخيرة: الوقت ليس ترفاً

وبعد، فقد عرضتُ الوقائع والحجج بما استطعت من أمانة، ومن حق القارئ الآن أن يعرف أين أقف أنا. أقف مع جوهر الالتماس وأذهب أبعد منه. فالذي تقوله هذه الوثيقة، منزوعاً من اصطلاحاته، بسيطٌ ومرعب: إن البشرية تبني أعظم قوة في تاريخها بسرعةٍ لا يملك أحد — لا الشركات ولا الحكومات — وسيلةً لضبطها، وإن صنّاعها أنفسهم يرفعون أيديهم قائلين: أعطونا فرامل. وأنا أزعم أن الفرامل وحدها لا تكفي، لأن السؤال الأسبق من «بأي سرعة نسير؟» هو: «إلى أين نريد أن نصل؟». والإجابة عن سؤال الوجهة ليست شأناً هندسياً يُحسم في مختبرات سان فرانسيسكو، ولا شأناً أمنياً يُحسم في غرف واشنطن وبكين — إنها شأن الجنس البشري كله، ومن ثم فإن الذي نحتاجه، قبل الأدوات ومعها، هو وقتٌ كافٍ نضع فيه، كبشرٍ وكقادة، رؤيةً للذكاء الاصطناعي تجعله في خدمة الإنسان لا في الإضرار به.

وهذا الوقت لا يُنتزع إلا بحوارٍ مجتمعي عالمي حقيقي، لا بمؤتمرات تلتقط فيها الصور. حوارٍ تجلس فيه إلى الطاولة المدارسُ والجامعات والنقابات ودور العبادة ومنظمات المجتمع المدني، لا الوزراء والمهندسون وحدهم؛ ويجلس فيه الجنوب العالمي وعالمنا العربي بوصفهما شريكين في المصير لا سوقاً للمنتجات — فبعض أضخم حواسيب هذه الثورة يُبنى اليوم على أرضنا، في الرياض وأبوظبي، ومن العدل أن نسأل: حين تُصنع «فرامل» العالم، أنكون على طاولة تصميمها أم تحت دواستها؟ إن استطلاعات الرأي تقول إن الشعوب — في أمريكا قبل غيرها — تريد التمهل، بينما تمضي السياسات في الاتجاه المعاكس؛ وسد هذه الفجوة بين إرادة الناس وقرارات النخب هو التحدي الديمقراطي الأول لعصرنا.

لقد كتب أحد الموقّعين أن الذكاء الاصطناعي «مثل شطر الذرة: يحمل إمكانية النفع الهائل والضرر الهائل، وعلى العالم أن يأخذ وقته ليفعلها صواباً». وأنا أختم بما علّمنا إياه قرنٌ من العيش مع الذرة: إن عريضة سيلارد التي حُجبت في الأدراج لم تمنع هيروشيما، لكن أحفادها — بولينغ وبوغواش ومونتريال — أثبتوا أن الجنس البشري قادر، حين يتحاور قبل الكارثة لا بعدها، على أن يمسك بأخطر ما صنعت يداه ويوجهه. الفارق الوحيد هذه المرة أن الآلة قد لا تمنحنا رفاهية التعلم من الخطأ الأول. ولهذا أقول، بكل ما تحتمله الكلمة من معنى: إن أخذ الوقت الكافي لصياغة رؤيةٍ إنسانية جامعة للذكاء الاصطناعي ليس ترفاً ولا تخلفاً عن سباق الأمم — بل هو، على وجه الدقة، السبيل الوحيد الباقي لكسب هذا السباق لحساب الإنسان.


ملاحظة تحريرية: اعتمد هذا التحقيق على نص الالتماس المنشور وقوائم موقّعيه، وتغطيات بلومبرغ ورويترز وإن بي سي، والوثائق الرسمية للكونغرس، وبيانات الشركات، إضافةً إلى المراجع التاريخية القياسية لسوابق الحد من التسلح. الأرقام الجارية (عدد التوقيعات) بتاريخ ٢٩ يوليو ٢٠٢٦ وهي قابلة للتغير.


عن الكاتب: تامر زناتي مدرّب تنفيذي واستشاري أعمال واستراتيجي قيادة، بخبرة تتجاوز ثلاثين عامًا، ثلثاها في مواقع تنفيذية وثلثها في التدريب التنفيذي. قاد استراتيجية الشركات في «اتصالات مصر»، وشغل مواقع تنفيذية في مؤسسات إقليمية وعالمية، ويعمل اليوم على تقاطع الذكاء الاصطناعي مع الإمكانات البشرية.


عن الكاتب: تامر زناتي استراتيجي قيادة ومدرب تنفيذي، بخبرة تتجاوز 30 عامًا في القيادة، ثلثاها في مواقع تنفيذية وثلثها في التدريب التنفيذي. قاد استراتيجية الشركات في «اتصالات مصر» وشغل مواقع تنفيذية في مؤسسات إقليمية وعالمية، ويعمل اليوم على تقاطع الذكاء الاصطناعي مع الإمكانات البشرية: مواءمة الرؤية والاستراتيجية وأثر القيادة، وبناء فرق قيادية عالية الأداء.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد