تخطَّ إلى المحتوى

من الذكاء الاصطناعي إلى الأمن القومي العربي... لماذا لم يعد الانتظار خيارًا؟

شارك المقال
من الذكاء الاصطناعي إلى الأمن القومي العربي... لماذا لم يعد الانتظار خيارًا؟
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

استمع لهذا المقال

بصوت سلمى (Salma)

في التحقيق «القنبلة التي تصنع نفسها» تناولنا كيف تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لرفع الإنتاجية إلى محور للتنافس بين القوى الكبرى، وكيف بدأت ملامح نظام دولي جديد تتشكل حول السيطرة على البيانات والحوسبة والرقائق الإلكترونية. أما اليوم، فقد أضافت التطورات الأخيرة بعدًا أكثر خطورة؛ إذ لم يعد السؤال إلى أين تتجه التكنولوجيا، بل كيف أصبحت تعيد تعريف مفهوم الأمن القومي نفسه.

خلال أسابيع قليلة تتابع حدثين مهمين، لكنها تكشف عند جمعها صورة واحدة. الأول هو التسارع اللافت في قدرات النماذج المتقدمة، كما رصد تقرير «القنبلة التي تصنع نفسها»، حيث انتقلت من تنفيذ أوامر منفردة إلى إدارة مهام معقدة بصورة شبه مستقلة. والثاني فجاء من نتائج اختبارات أجراها المعهد البريطاني لأمن الذكاء الاصطناعي، وأظهرت أن بعض النماذج اتخذت داخل بيئة اختبارية إجراءات غير مصرح بها، شملت إنشاء هويات رقمية ومحاولات للتأثير على مطورين والسعي إلى إدخال شيفرات خبيثة. ورغم أن هذه الوقائع لم تقع في بيئة تشغيل حقيقية، فإنها تعكس طبيعة المخاطر التي يستعد لها العالم.

هذه الأحداث لا تثبت أن الذكاء الاصطناعي خرج عن السيطرة، لكنها تؤكد أن أدوات السيطرة التقليدية لم تعد كافية. فالنقاش انتقل من سؤال: كم أصبحت النماذج ذكية؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: كيف يمكن للدول أن تضمن بقاء الأنظمة المستقلة ضمن الحدود التي يضعها الإنسان؟

وتقود قراءة التقريرين معًا إلى استنتاج بالغ الأهمية. السباق الحقيقي لم يعد بين شركات تتنافس على أفضل تطبيق، وإنما بين دول تتنافس على امتلاك البنية التحتية التي تنتج الذكاء الاصطناعي : الرقائق الإلكترونية، والقدرة الحاسوبية، والطاقة، ومراكز البيانات، والبيانات الوطنية، والنماذج الأساسية. ومن يمتلك هذه السلسلة يمتلك نفوذًا اقتصاديًا وعسكريًا واستخباراتيًا لعقود مقبلة.

ولهذا لم يعد مستغربًا أن يزداد اندماج شركات الذكاء الاصطناعي مع المؤسسات الدفاعية والاستخباراتية. فالذكاء الاصطناعي يدخل اليوم في تحليل المعلومات، والدفاع السيبراني، ودعم القرار، والقيادة والسيطرة، والمسيرات، والحرب الإلكترونية. ومع كل قفزة تقنية، يزداد البعد الأمني حضورًا.

وفي قلب هذا المشهد يقف عالمنا العربي. فالمنطقة ليست مجرد سوق للتكنولوجيا، بل أصبحت عنصرًا في معادلة القوة الجديدة بفضل الطاقة، والاستثمارات في مراكز البيانات، وموقعها الجغرافي الذي تمر عبره كابلات الاتصالات العالمية. لذلك تتنافس القوى الكبرى على بناء شراكات تقنية واستثمارية طويلة الأجل داخل المنطقة، لأن من يشارك في بناء البنية التحتية يكتسب نفوذًا يتجاوز الاقتصاد إلى السياسة والأمن.

بالنسبة للعالم العربي، فإن الخطر لا يكمن في التأخر عن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي، بل في الاعتماد الكامل على بنية تحتية ونماذج وبيانات تتحكم فيها أطراف خارجية. فالتبعية الرقمية قد تتحول تدريجيًا إلى تبعية استراتيجية، خصوصًا عندما تصبح القرارات الاقتصادية والأمنية معتمدة على منصات لا تخضع للسيادة الوطنية.

كما أن الاقتصار على النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره مشروعًا للتحول الرقمي أو تحسين الخدمات الحكومية لم يعد كافيًا. فالمعادلة الجديدة تفرض اعتباره ملفًا للأمن القومي، يتطلب مشاركة مؤسسات الدفاع والأمن والاقتصاد والتعليم والاتصالات في صياغة رؤية موحدة.

ومن هنا تبرز خمس أولويات: أولًا، إنشاء مجالس عليا للذكاء الاصطناعي والأمن القومي ترتبط مباشرة بصانع القرار.

ثانيًا، الاستثمار في قدرات حوسبة سيادية ومراكز بيانات وطنية وشراكات عربية مشتركة.

ثالثًا، تطوير نماذج عربية موثوقة للقطاعات الحساسة مع حماية البيانات الوطنية والقرار الوطني.

رابعًا، دمج الذكاء الاصطناعي في العقيدة الدفاعية والسيبرانية مع أطر تنظيمية مرنة.

خامسًا، بناء موقف عربي موحد في مفاوضات حوكمة الذكاء الاصطناعي الدولية حتى تكون المنطقة شريكًا في كتابة القواعد لا مجرد متلقٍ لها.

لقد اعتاد التاريخ أن يمنح الدول لحظات نادرة تعيد رسم خرائط القوة لعقود طويلة. ويبدو أن الذكاء الاصطناعي هو إحدى تلك اللحظات. والسؤال الذي يواجه العالم العربي اليوم ليس إن كان سيستخدم هذه التكنولوجيا، وإنما إن كان سيدخل العصر الجديد شريكًا في صناعة قواعده أم مجرد مستهلك لها. وفي القرن الماضي كان ميزان القوة يُقاس بما تختزنه الأرض من نفط، أما في القرن الجديد فقد يُقاس بما تختزنه مراكز البيانات من معرفة. وبين المقياسين، يُعاد تعريف معنى السيادة.


عن الكاتب: تامر زناتي استراتيجي قيادة ومدرب تنفيذي، بخبرة تتجاوز 30 عامًا في القيادة، ثلثاها في مواقع تنفيذية وثلثها في التدريب التنفيذي. قاد استراتيجية الشركات في «اتصالات مصر» وشغل مواقع تنفيذية في مؤسسات إقليمية وعالمية، ويعمل اليوم على تقاطع الذكاء الاصطناعي مع الإمكانات البشرية: مواءمة الرؤية والاستراتيجية وأثر القيادة، وبناء فرق قيادية عالية الأداء.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد