تخطَّ إلى المحتوى

حسابات العائد على الميغاوات: إنفيديا تعيد كتابة قواعد إهلاك عتاد الحوسبة

شارك المقال
حسابات العائد على الميغاوات: إنفيديا تعيد كتابة قواعد إهلاك عتاد الحوسبة
الصورة: Brecht Corbeel / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تضع شركة «إنفيديا» يدها على العصب المالي الأكثر حساسية في قطاع البنية التحتية للحوسبة، مع وصول كلفة بناء مصنع الذكاء الاصطناعي إلى قرابة ستين مليون دولار لكل ميغاوات واحد. لا يقدم مشغلو مراكز البيانات على ضخ استثمارات بهذا الحجم إلا برؤية واضحة للعائد المالي، وهي معادلة تستند إلى ثلاثة أركان متداخلة: القدرة على الكسب السنوي في حال بيع كل رمز تنتجه المنشأة، والعمر الإنتاجي الفعلي للعتاد، وحجم الطلب السوقي على تلك الرموز. إن القوة في جانب واحد لا تعوض الضعف في جانب آخر؛ فطاقة الإنتاج المرتفعة تفقد قيمتها إن عجز المشغل عن تسويق كامل السعة، ووجود طلب هائل لا ينفع إن توقفت الخوادم عن العمل بكامل طاقتها بعد عام واحد.

تمثل الطاقة الكهربائية القيد الحاكم على مصانع الحوسبة، مما يجعل وتيرة إنتاج الرموز في الثانية لكل ميغاوات هي المقياس الفعلي للإيرادات. وتُظهر بيانات مؤسسة «سيمي أناليسيس» عبر مؤشر «إيجنت إكس» أن منظومات «فيرا روبين إن في إل 72» تحقق إنتاجية تتجاوز ثلاثين ضعفاً لكل ميغاوات مقارنة بمنظومات «جي بي 300 إن في إل 72»، مع خفض كلفة المليون رمز بما يصل إلى خمسة وأربعين ضعفاً عند تشغيل نموذج «ديب سيك في 4 برو». هذا الانخفاض الحاد في كلفة الرمز الواحد لا يقلص الطلب الإجمالي على طاقة الحوسبة، بل يوسعه، لأن انخفاض الكلفة يفتح آفاقاً اقتصادية لحالات استخدام جديدة تستهلك في مجموعها حجماً من الرموز يتجاوز ما حققته قفزات الكفاءة.

المحور الثاني في المعادلة يرتكز على إطالة العمر الاقتصادي للعتاد وتأخير خروجه من الخدمة مع توالي الأجيال التقنية. فالأعباء الحاسوبية ليست متطابقة في درجة التعقيد، مما يسمح للأجيال السابقة بالاستمرار في تحقيق عوائد، كما هو حال معالجات «إيه 100» التي أُطلقت عام 2020 وما زالت قيد التشغيل التجاري بعد ست سنوات، حيث مددت شركة «كور ويف» عقود حجزها لتلك الوحدات حتى عام 2029. تكشف بيانات دراسة أجرتها مؤسسة «سبراوت» في سبتمبر 2026 أن كبار المشغلين واصلوا تمديد جداول الإهلاك المحاسبي لخوادمهم لتعكس بقاءها في الخدمة فعلياً لفترات أطول. وتؤكد مؤشرات الواقع ذلك؛ إذ شغل أسطول مايكروسوفت من رقائق «في 100» نحو 8.4 سنوات مقابل عمر دفتري بلغ ست سنوات فقط، وتُقدّر تحليلات «باركر» العمر الإنتاجي بين خمس وست سنوات لمنظومات «إتش 100» وما بين تسع وعشر سنوات لمنظومات «جي بي 300»، في حين ترصد «سيليكون داتا» احتفاظ شريحة «إيه 100» بربع قيمتها الأصلية بعد ست سنوات، وتُسجل «أورن داتا» دفع السوق 80 بالمئة من سعر التأجير في العقود الممتدة لخمس سنوات مقارنة بالعقود الشهرية.

الركيزة الثالثة هي قابلية العتاد للتشغيل المتنوع، حيث تتجنب المعماريات العامة خطر حصر الاستثمار في رقائق مصممة لمهمة أحادية قد تتقادم سريعاً. تتيح منصة «كودا» وأكثر من ألف مكتبة متخصصة ضمن حزمة «كودا إكس» لأكثر من عشرة ملايين مطور تشغيل أعباء التعلم العميق والذكاء الاصطناعي التوليدي والوكلاء والذكاء الاصطناعي الفيزيائي، إضافة إلى مهام المحاكاة العلمية والرسوميات ومعالجة البيانات التي تلتقي كلها عند العمليات الرياضية المتوازية نفسها. يتجسد ذلك عملياً في تشغيل شركة «إيلاي ليلي» لنماذج الجينوم وتصميم الجزيئات عبر عنقود يحوي 1016 معالجاً، واعتماد «بنترست» على 14 ألف معالج تتوزع بين معماريات «بلاك ويل» و«هوپر» وأجيال أقدم، واستخدام «ريفولوت» لمكتبات تسريع البيانات لمعالجة مليارات السجلات، وتشغيل جامعة «تكساس إيه آند إم» لحاسوبها الفائق بنسب استغلال تتراوح بين 95 و98 بالمئة عبر سبع وعشرين مهمة بحثية تخدم سبع مؤسسات.

هذا التحول في حسابات العائد ينعكس مباشرة على مديري البنية التحتية التقنية ومسؤولي مشروعات الحوسبة في الخليج ومصر والمشرق العربي. عند بناء مراكز البيانات الوطنية أو التفاوض على صفقات البنية التحتية السحابية، يتبين أن تبني جداول إهلاك قصيرة الأجل تتراوح بين ثلاث وأربع سنوات يثقل الميزانيات بأعباء دفترية غير دقيقة ويصعّب إثبات الجدوى الاقتصادية للمشروعات. المعيار الحاسم يكمن في حساب كلفة الرمز لكل ميغاوات متاح، وقدرة المنظومات المشتراة على استيعاب مهام الاستدلال وخدمة الوكلاء على المدى الطويل دون الاضطرار إلى شطب الأصول أو استبدالها كلياً مع كل إعلان لجيل جديد من الرقائق في الفعاليات الصناعية مثل مؤتمر «جي تي سي برلين» المقبل.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد