حراسة الذكاء الفائق ترتطم بالخطر الداخلي: كواليس ملاحقة القضاء الأمريكي لمهندس في «أوبن إيه آي»
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
أوقفت السلطات الفيدرالية الأمريكية مهندسا في شركة «أوبن إيه آي» ووجهت إليه تهمة زرع جهاز تسجيل صوتي مخفي داخل إحدى قاعات الاجتماعات التنفيذية في مكاتب الشركة بولاية كاليفورنيا. القضية التي كشفت عنها وزارة العدل الأمريكية ومكتب التحقيقات الفيدرالي تضع حماية الأبحاث الحساسة للذكاء الاصطناعي في قلب التنافس الأمني والتقني الدولي، بعدما ضبطت الشركة جهازا بحجم الإبهام مزودا بميكروفون وموصولا بمنفذ يو إس بي خلف شاشة تلفاز في أحد مبانيها بمدينة سان فرانسيسكو.
بدأت خيوط الواقعة في الثلاثين من سبتمبر حين اكتشفت الشركة الجهاز المشفر المخبأ داخل لفافة ورقية خلف الشاشة، حيث تشير وثائق التحقيق الفيدرالي إلى أن زرعه تم قرابة الثامن والعشرين من الشهر نفسه. عقب هذا الاكتشاف، نصبت الشركة كاميرا مراقبة داخل القاعة لرصد من يتردد على الموقع، فوثقت العدسة دخول المهندس عبد الرحمن الفوزان وتفقده للمساحة الواقعة خلف التلفاز. قادت هذه المعاينة فرق التحقيق إلى تفتيش حقيبته الشخصية ليعثر المحققون على جهاز مماثل، في حين أفادت الشركة عبر حسابها الرسمي بأن الموظف كان يخطط لزرع مزيد من أجهزة التنصت في مساحات حساسة أخرى لتسجيل الاجتماعات سرا، ما دعاها إلى إنهاء خدماته فورا مع تأكيدها غياب أي مؤشر على تسريب أوزان النماذج أو الشفرات البرمجية أو بيانات المستخدمين.
تكشف لائحة الاتهام جانبا موازيا يتعلق بالنشاط الرقمي الداخلي، إذ تفيد أوراق القضية بأن المهندس البالغ من العمر 35 عاما، والذي انضم للشركة في يوليو 2025 ويحمل إقامة دائمة في الولايات المتحدة منذ عام 2020، استغل أداة إنتاجية تعمل بالذكاء الاصطناعي للاستعلام المتكرر عن عناوين مباني الشركة وقاعات الاجتماعات وسعتها وجداولها الزمنية، دون أن يمتلك صلاحية الوصول إلى تلك المرافق أو المشاركة في اجتماعاتها. يمتلك المهندس سجلا تقنيا شمل الدراسة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وعمل سابقا لدى ميتا ومايكروسوفت، إلى جانب عمله شريكا مستثمرا في شركة رائد فنتشرز بالرياض والمختصة بتمويل الشركات الناشئة في مراحلها المبكرة بالمملكة والشرق الأوسط، وفق ما أورده حسابه المهني على منصة لينكد إن.
تكتسب الواقعة حساسية استثنائية مع تعامل الادعاء العام الأمريكي معها كمسألة تمس الأمن القومي، حيث صرح المدعي العام تود بلانش بأن محاولة الاستيلاء على اتصالات حساسة من «أوبن إيه آي» تمثل تهديدا جديا للأمن القومي الأمريكي عبر استهداف الملكية الفكرية لتكنولوجيا الذكاء الفائق. يواجه المتهم، الذي مثل أمام المحكمة الفيدرالية بتهمة اعتراض الاتصالات الشفهية ويُرتقب أن يعود إليها في التاسع عشر من أكتوبر، عقوبة تصل إلى السجن خمس سنوات وغرامة قدرها ربع مليون دولار. تتقاطع هذه القضية مع حساسية الدور المتصاعد للمختبرات الكبرى، والتي تخوض سباقا استراتيجيا شمل عقودا مع وزارة الدفاع الأمريكية لتزويدها بتقنيات مخصصة لبيئات مصنفة وسرية تشمل جمع الاستخبارات، في وقت تتصاعد فيه المخاوف التشريعية والدولية من تسخير قدرات الذكاء الاصطناعي في الرقابة والتجسس الميداني.
التهديد الأمني في مختبرات النماذج لم يعد مقتصرا على اختراق الشفرات عبر الإنترنت، بل بات يستند إلى الحضور الفيزيائي والتنصت الصوتي في غرف الاجتماعات المغلقة. هذا التحول يعيد رسم حسابات العمل التقني للمتخصصين وصناديق الاستثمار في الخليج ومصر والشام؛ فمن ناحية، ستواجه الكفاءات الهندسية والاستثمارية القادمة من المنطقة تدقيقا أمنيا وفحصا رقابيا مضاعفا داخل كبريات الشركات التقنية العالمية، حيث تتحول حتى استعلامات الأدوات البرمجية الداخلية إلى أدلة فحص جنائي رقمي تستدعي المساءلة. ومن ناحية أخرى، يفرض الحادث على مسؤولي البنية التحتية والأمن السيبراني في المؤسسات والجهات السيادية العربية مراجعة بروتوكولات الحماية المادية لمقراتهم وعدم الاكتفاء بجدران الحماية الرقمية؛ فالأجهزة المشفرة المخبأة خلف شاشات العرض تكشف أن تحصين قرارات الذكاء الاصطناعي يبدأ من حراسة القاعات وفحص منافذ الطاقة والتوصيل، قبل مراقبة خوارزميات النماذج وسحاب التخزين.
تثبت ملابسات القضية أن سباق تطوير النماذج الفائقة فرض على شركات التقنية سلوك المنشآت العسكرية الحساسة في تأمين مقراتها. وعندما تسجل كاميرات المراقبة تحركات مهندس داخل قاعة مغلقة لتعقب ميكروفون مشفر، يدرك المطور وصانع القرار في المنطقة أن تأمين التقنيات السيادية معركة متكاملة الأركان، لا تحسمها صلابة الشفرة البرمجية وحدها إن تُرِكت منافذ القاعات الخلفية بلا رقابة.