تخطَّ إلى المحتوى

ربط الترقية بتبني الذكاء الاصطناعي: مؤشرات الاستخدام تدفع الموظفين نحو الإنتاجية الاستعراضية

شارك المقال
ربط الترقية بتبني الذكاء الاصطناعي: مؤشرات الاستخدام تدفع الموظفين نحو الإنتاجية الاستعراضية
الصورة: LSE Library / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تتسارع كبرى الشركات العالمية في ربط تقييمات الموظفين وترقياتهم السنوية بمدى استخدامهم لأدوات الذكاء الاصطناعي، في مسعى مباشر لدفع الكوادر نحو تبني النماذج التوليدية في المهام اليومية. وتكشف بيانات المتابعة في مؤسسات مثل ميتا، وديزني، وجي بي مورغان، وشركة كيه بي إم جي، عن استحداث لوحات صدارة داخلية لترتيب الموظفين استناداً إلى وتيرة استخدامهم للمنصات والنماذج المتاحة لهم. وتؤكد جولي سويت، الرئيسة التنفيذية لشركة أكسنتشر، أن العمل بالذكاء الاصطناعي غدا أسلوب التشغيل الأساسي داخل المؤسسة، مشيرة إلى أن الحصول على الترقية بات مشروطاً بالالتزام بهذا النمط. وفي المقابل، أقدم برايان أرمسترونغ، الرئيس التنفيذي لمنصة كوينبيس لتداول العملات المشفرة، على تسريح مهندسين لم يكملوا التدريب الإلزامي على الذكاء الاصطناعي، ما يوضح رغبة القيادات التنفيذية في تحويل التبني التقني إلى معيار بقاء وظيفي صارم.

تخفي هذه السياسات ضغوطاً متصاعدة لتحقيق عائد مالي سريع بعد أن كشف تقرير صادر عن شركة ماكنزي الاستشارية أن 94 بالمئة من الشركات لم تلمس بعد قيمة ملموسة وكبيرة من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي. هذا التناقض يضع الموظفين أمام معادلة معقدة، إذ يوضح دنكان تريفيثيك، وهو مسؤول تسويق في شركة لبيانات تدريب الذكاء الاصطناعي، أن استخدام الأدوات لتقليص يومين من العمل أسبوعياً لا يقابله خفض ساعات العمل أو زيادة مجزية في الأجر، بل تتحول الإنتاجية المرتفعة فوراً إلى حد أدنى جديد يُلزم الموظف بإنتاج المزيد، مع مساهمته عملياً في إثبات إمكانية الاستغناء عن جزء من دوره. كما ترصد باميلا، وهي مسؤولة تنفيذية في شركة استشارات أمريكية كبرى، نشوء قوة عاملة منقسمة إلى طبقتين، تتفوق فيها الطلاقة في التعامل مع الأدوات الذكية على سنوات الخبرة المهنية، حيث يُتجاوز أصحاب الخبرات الطويلة لصالح ممارسين يملكون سرعة أعلى في تشغيل الأدوات حتى لو اقتصرت خبرتهم العملية على بضع سنوات.

يتحول قياس الاستخدام المفروض إلى ممارسات استعراضية مفرغة من المعنى حين ترتبط مؤشرات الأداء بعداد التفاعل مع المنصات بدلاً من جودة المخرجات. وتحذر كاميلا ميلر، الباحثة في الذكاء الاصطناعي التطبيقي بكلية هينلي للأعمال، من أن فرض التفاعل كمعيار رئيس للأداء يدفع العاملين إلى تسجيل أنشطة مصطنعة وتمرير معاملات روتينية عبر روبوتات المحادثة دون حاجة حقيقية، طمعاً في تحسين موقعهم على لوحات البيانات الرقمية، وهو ما يصنع موظفين أكثر امتثالاً لا أكثر مهارة. وقد دفع هذا العبث شركة أمازون إلى إلغاء لوحة الصدارة الداخلية بعد لجوء الموظفين إلى إسناد مهام عديمة الجدوى للأدوات التوليدية لتسلق المراتب، بينما تراجع لويس فون آهن، الرئيس التنفيذي لشركة دولينجو، عن إدراج استخدام الذكاء الاصطناعي في مراجعات الأداء، مؤكداً أن كفاءة إنجاز العمل هي الفيصل، وأن استخدام الأداة لذاتها لا يمثل قيمة. وتتزامن هذه الإجراءات مع تحذيرات قانونية واستشارية من غياب الشفافية المؤسسية في توضيح دوافع الأتمتة ونشوء نزاعات عمالية حول عدالة تقييم الأجور وتكثيف أعباء العمل.

يحمل هذا التحول دلالات مباشرة على بيئات الأعمال في الخليج ومصر والمشرق العربي، في ظل سعي المؤسسات الكبرى والمصارف والجهات التشغيلية إلى تسريع التحول الرقمي والاستعانة باستشارات الشركات العالمية لتطبيق أطر الكفاءة الحديثة. وإذا انساق المديرون الإقليميون وراء قياس نشاط الموظفين بعدد الاستعلامات والمدخلات عبر النماذج، فإن المنشآت تخاطر بإهدار وقت طاقاتها في أعمال مظهرية لإرضاء مؤشرات الأداء الرقمية، وتهميش أصحاب الرؤى التراكمية الذين يعتمدون التحليل الرصين. وفي المقابل، تفرض هذه التطورات على المهني والمسؤول في المنطقة ضرورة التسلح بمهارات توجيه الوكلاء والنماذج التوليدية كأدوات مساعدة لرفع القيمة النهائية للعمل، مع تجنب الاعتماد السطحي عليها لإثبات الحضور الإداري فقط.

أرى في تجارب التراجع لدى الشركات التقنية درساً مبكراً لكافة الإدارات المؤسسية: الذكاء الاصطناعي وسيلة لتعزيز جودة الإنتاج وسرعته، وتحويله إلى بند استعراضي في تقييم الكفاءة ينتهي غالباً إلى تضخيم العمل المكتبي بدلاً من تحقيق وفورات حقيقية. خطوتك كمسؤول هي تقييم الأثر المالي والتشغيلي لما يسلمه الموظف من نتائج متكاملة، وترك حرية اختيار الأدوات لتقديره المهني، بدلاً من محاسبته على عدد الساعات التي يقضيها أمام واجهات الروبوتات.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد