رقائق سنغافورة ترفع النمو فوق خمسة بالمئة والبنك المركزي يتحوط لتهدئة الطلب
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تثبت البيانات الاقتصادية الصادرة في سنغافورة أن العائد المالي لطفرة الذكاء الاصطناعي يتجه بثبات نحو البنية التحتية الصلبة والمصانع قبل أن يظهر في البرمجيات الاستهلاكية. نما الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بنسبة 5.4 بالمئة على أساس سنوي خلال الربع الثالث الممتد بين يوليو وسبتمبر، مواصلا صعودا استثنائيا رسخ مكانة هذا الاقتصاد المتقدم كأحد أسرع الاقتصادات نموا حول العالم، رغم هبوط طفيف مقارنة بنمو الربع الثاني البالغ 6.2 بالمئة، استنادا إلى التقديرات الحكومية الأولية لوزارة التجارة والصناعة.
محرك هذا التوسع الرئيسي تمثل في قطاع التصنيع الذي نما بنسبة 7.5 بالمئة مدفوعا بصناعة أشباه الموصلات ومجموعات الإلكترونيات والهندسة الدقيقة وهندسة النقل، وهو ما عوّض التراجعات المسجلة في قطاعي الكيماويات والعلوم الطبية الحيوية. وإلى جانب تصنيع الرقائق، قفز قطاع التشييد والبناء بنسبة 8.8 بالمئة مدعوما بالاستثمارات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، وفي طليعتها بناء مراكز البيانات الضخمة التي تحتضن خوادم الحوسبة السحابية.
تستأثر سنغافورة بنحو 10 بالمئة من الإنتاج العالمي لأشباه الموصلات، وتنتج ما يقرب من 20 بالمئة من معدات تصنيع الرقائق دوليا، وهو موقع ساعدها في تجاوز الاضطرابات الاقتصادية بما فيها صدمة أسعار الطاقة الناتجة عن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران. لكن المفارقة برزت في قرار البنك المركزي الذي فضّل تثبيت سياسته النقدية دون تغيير. فبينما يتوقع صندوق النقد الدولي نمو اقتصاد سنغافورة بنسبة 5 بالمئة خلال عام 2026، متفوقا على كل اقتصاد متقدم عدا تايوان بعد نمو مماثل في عام 2025 حقق أول صعود متتال فوق عتبة خمسة بالمئة منذ عامي 2010 و2011، اختارت السلطة النقدية الترقب استنادا إلى توقعاتها بتباطؤ وتيرة الطلب على الذكاء الاصطناعي في النصف الثاني من عام 2027.
أوضحت السلطة النقدية، التي تدير السياسة عبر أسعار الصرف بدلا من الفائدة وتتوقع تضخما أساسيا بين 1.5 و2.0 بالمئة خلال العام الحالي، أن النمو العالمي المدفوع بالذكاء الاصطناعي سيهدأ من وتيرته الاستثنائية مع ضغط الفائدة والتضخم في الاقتصادات المتقدمة على الطلب النهائي. ووفق توصيف ياو هوي تشوا، الأستاذ المساعد للاقتصاد في جامعة نانيانغ التكنولوجية، فإن سنغافورة تقدم نموذجا عمليا في الاستفادة من سلاسل التوريد وتلبية الطلب العالمي القوي على الإلكترونيات وخدمات التجارة المرتبطة بها في بيئة دولية غير مستقرة.
هذا الإنذار المبكر من سنغافورة يغيّر حسابات الجدوى لمديري البنية التحتية والاستثمار في منطقتنا. فالاندفاع الواسع في الخليج نحو تشييد مراكز البيانات وحجز المعالجات الفائقة يفترض استمرار الطلب بنفس الزخم، لكن قراءة دورة العتاد في سنغافورة تكشف أن المكسب الحقيقي يكمن في تأمين المكونات ومعدات التشغيل وليس التوسع العمراني المجرد. ولمن يدير مشاريع التقنية في الخليج أو يطور البنية البرمجية في مصر والمشرق، فإن التهدئة المتوقعة بحلول عام 2027 تفرض التركيز الفوري على العائد التشغيلي وكفاءة استغلال الخوادم، بدلا من المبالغة في تقدير سرعة استرداد تكاليف الإنشاء الضخمة قبل أن تستقر متطلبات السوق العالمية.
القوة الاقتصادية في عصر الحوسبة المتقدمة تبنى على المصانع الدقيقة وسلاسل التوريد القادرة على الصمود، مع الحفاظ على قراءة استباقية للمنعطفات التي يعيد فيها رأس المال ضبط وتيرته.