حظر المنصات يصطدم بجدار الشبكات الافتراضية: نقاشات دبي تكشف عجز القيود العمرية أمام الذكاء التوليدي
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
كشفت نقاشات «منصة الابتكار التنظيمي العالمي» التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي، المنعقدة في مدينة جميرا بدبي ضمن الاجتماع السنوي للقيادات العالمية الشابة، عن مأزق تشريعي يواجه صناع السياسات الرقمية: القرارات الحكومية الرامية إلى حظر وصول اليافعين إلى شبكات التواصل الاجتماعي تسقط عمليا أمام حلول تقنية بسيطة، في وقت تتأهب فيه المنصات لاستقبال موجة أعقد يقودها الذكاء الاصطناعي التوليدي. الجلسة التي انعقدت تحت قاعدة «تشاتام هاوس» لبحث حوكمة الفضاء الرقمي للأجيال الصاعدة، وضعت خيارات الحظر الصارم في مواجهة مباشرة مع وقائع التحايل الرقمي وسلوك المستخدمين على الأرض.
جدران الحظر الرقمي تتداعى أمام أبسط أدوات تجاوز الحجب الجغرافي. هذه النتيجة أكدتها وقائع استعرضها خبراء التقنية المشاركون في جلسة دبي، حيث لوحظت ظاهرة لافتة عقب فرض بعض الحكومات قيودا عمرية على شبكات مثل «تيك توك» و«إنستغرام»، تمثلت في ارتفاع مفاجئ في تسجيل حسابات جديدة لكبار السن. التفسير الميداني كان بسيطا وحاسما: اليافعون أقنعوا أجدادهم بفتح حسابات وتفعيل اشتراكات عبر الشبكات الخاصة الافتراضية للالتفاف على العوائق. وتكرر السيناريو نفسه في تجارب حظر ألعاب رقمية مثل «روبلوكس»، إذ دفع المنع الأطفال إلى تنزيل أدوات تجاوز الحجب للوصول إلى لعبتهم المفضلة، مما أوقعهم دون قصد في بيئات رقمية مفتوحة تفيض بمحتويات غير خاضعة لأي رقابة.
يأتي هذا الجدل بينما تسارع حكومات غربية وإقليمية إلى تبني تدابير متباينة؛ ففي حين أقرت أستراليا حظر حسابات التواصل لمن هم دون السادسة عشرة، ووافقت دولة الإمارات في يونيو على مقترحات تحدد الحد الأدنى للسن بخمسة عشر عاما، دفعت شركة «ميتا» تسوية قضائية في الولايات المتحدة بقيمة 18 مليار دولار بسبب دعاوى إدمان الأطفال على المنصات. وفي المقابل، شارك مسؤول أفريقي تجربة متطرفة لجأت فيها دولته إلى قطع الإنترنت بالكامل لفترة محددة بينما كانت الحكومة تبحث عن حلول لمواجهة الأخبار الزائفة والتضليل الرقمي، في مشهد يعكس ارتباك الحكومات الفردية أمام شركات عالمية عابرة للحدود تملك نماذج أعمال مصممة بالأساس لتعظيم وقت الاستخدام.
الحوكمة الرقمية تجد نفسها عاجزة أمام آليات الإقناع الحميمية والشخصيات الاصطناعية. هذا التحدي يمثل جوهر المعضلة القادمة؛ فبينما تجهد أجهزة الرقابة والتشريع في التعامل مع تحديات شبكات التواصل الاجتماعي القائمة منذ عقدين، يفرض صعود الذكاء الاصطناعي تحولا جذريا عبر التزييف العميق والشخصيات التخليقية والخوارزميات القادرة على التوجيه النفسي الدقيق. وفي إحدى وقائع الجلسة، حاول أحد المشاركين إقناع طفل بوجود عطل تقني عالمي في منصات الألعاب عبر صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي، غير أن الطفل فطن فورًا إلى طبيعتها المصطنعة ورفض الحيلة، مما يثبت أن الأجيال الشابة تفهم التقنية التوليدية وتسبق محاولات وصايتها.
بالنسبة لقطاعات الأعمال والتقنية في الخليج ومصر والمشرق العربي، يفرض هذا الواقع إعادة ضبط جذرية لسياسات الامتثال والتسويق الرقمي. الالتزام الشكلي بالقيود العمرية المحددة في التشريعات المحلية، مثل سقف الـ 15 عاما، لم يعد كافيا لضمان بيئة رقمية آمنة طالما أن استخدام الشبكات الافتراضية يعيد توجيه حركة البيانات عبر هويات مجهولة. هذا التشويش يعطل قدرة وكالات الإعلان والشركات الإقليمية على قياس شرائح الجمهور الحقيقية واستهدافها بدقة، كما يفرض على مديري منصات المحتوى ومطوري التطبيقات الانتقال من آليات التحقق من تاريخ الميلاد اليدوي إلى معايير أمان بنيوية تدمج في تصميم المنتج نفسه، خاصة مع توجه المؤسسات الإقليمية لبناء مساعدين أذكياء وواجهات تفاعلية موجهة للمستخدمين.
تخلص المناقشات إلى أن المسؤولية الأسرية لا يمكن تفويضها بالكامل إلى وادي السيليكون أو المدارس أو الأجهزة التنظيمية، خاصة أن الأطفال في سن السابعة لا يشترون هواتفهم الذكية ولا يسددون فواتير باقات البيانات من أموالهم الخاصة. إن مواجهة استغلال الانتباه تتطلب تجاوز ثنائية الحظر والسماح، والانتقال إلى مساءلة نماذج الأعمال التي تحرك المنصات الرقمية، قبل أن تعيد أدوات الذكاء الاصطناعي رسم العلاقة بين الإنسان والآلة وفق قواعد تتجاوز قدرة التشريعات التقليدية على الملاحقة.