«فخ التماثل»: لماذا تثير قوائم الطعام المولدة بالذكاء الاصطناعي نفور المستهلكين؟
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
بدأت قوائم الطعام المصممة بنماذج التوليد البصري تتسلل إلى المطاعم والمقاهي، لكنها سرعان ما اصطدمت برد فعل عكسي غير متوقع من رواد تلك المنشآت. فبدل أن تحفز الصور الرقمية الشهية، ظهرت الأطباق والشطائر بتناظر مفرط ونعومة غير طبيعية ولمعان مصطنع يثير شعورًا فوريًا بالغرابة وعدم الارتياح، وهي ظاهرة باتت تعرف بـ«فخ التماثل» والتجانس البصري الذي تفرضه خوارزميات التوليد المدربة على أنماط ضيقة.
يوضح أليكس لايل، الرئيس التنفيذي للتقنية في شركة «رياليتي ديفندر» المتخصصة في أدوات كشف المحتوى التوليدي، أن المشكلة تعود إلى طبيعة بناء النماذج اللغوية الكبيرة ونماذج الانتشار البصري، إذ تتدرب على مجموعات بيانات ضخمة وتلتقط الأنماط الأكثر شيوعًا. ويشير لايل إلى أن العديد من صور الأطعمة الناتجة تبدو وكأنها مستنسخة من قوائم مطاعم الوجبات السريعة التقليدية لعام 2015، لأن تلك البيانات هي التي شكلت مرجعيتها الأساسية. عندما تعيد النماذج توليد مخرجات بناء على بيانات شائعة أو عندما يعاد تدريبها على محتوى اصطناعي، تقع في حالة «تقارب» تكراري تؤدي إلى تآكل الجودة وفقدان التنوع البصري.
من جانبه، يشير لي ريني، مدير مركز «تخيل المستقبل الرقمي» في جامعة إيلون، إلى أن تحسين مجموعات البيانات لتكون مقبولة وخالية من أي عناصر غير مألوفة ينتهي بها إلى فرض تجانس بصري ولغوي يقص الأطراف الحادة ويجرد الصور من واقعيتها وتفاصيلها العفوية. وقد أثبتت تجارب التعديل المتكرر على القوائم، مثل إعادة تعديل التصميم مئة مرة لتغيير الأسعار أو المسميات، أن عناصر الطعام تصبح مع كل تعديل أكثر استدارة ونعومة وبعدًا عن الهيئة الحقيقية للوجبة، مما يعزز غربتها البصرية أمام المتلقي.
هذا النفور تدعمه دراسات علمية رصينة، إذ خلص باحثون في جامعة «دويسبورغ إيسن» في ألمانيا إلى أن صور الأطعمة المولدة بالذكاء الاصطناعي تقع في نطاق ما يسمى تأثير «الوادي الغريب»، حيث تثير الأطباق التي تبدو قريبة جدًا من الواقع لكنها غير حقيقية مشاعر اشمئزاز ونفور لدى المستهلكين تفوق رد فعلهم تجاه الصور التي يسهل تمييز زيفها بوضوح.
يحمل هذا التحول دلالة تشغيلية واضحة لقطاع الضيافة والمطابخ السحابية وتطبيقات التوصيل في الخليج ومصر والشام. ففي ظل التنافس المحتدم والاعتماد المتزايد على واجهات التطبيقات الرقمية في الرياض ودبي والقاهرة، قد تدفع الرغبة في خفض نفقات التصوير التجاري وتنسيق الأطباق بعض الشركات إلى استبدال التصوير الحقيقي بأصول بصرية مولدة آليًا. إلا أن هذا التوفير السريع يتحول إلى تكلفة خفية عبر تراجع معدلات التحويل ونفور العملاء بسبب غياب المصداقية البصرية وتكرار النمط نفسه بين العلامات المتنافسة. والقرار العملي لفِرَق التسويق وإدارة المنتجات هنا هو حصر أدوات التوليد البصري في المسودات والتجارب الداخلية، مع الإبقاء على صور الأطباق الفعلية موثقة بعدسات حقيقية لحماية تجربة العميل وعائد المبيعات.