تفكيك الوصف الوظيفي التقليدي أمام الذكاء الاصطناعي: مؤتمر دبي يدعو للانتقال إلى تقييم المهارات
تجاوزت نقاشات الذكاء الاصطناعي في قطاع الموارد البشرية مرحلة التساؤل حول احتمالات إلغاء الوظائف، لتستقر عند واقع عملي يفرض إعادة هيكلة الأدوار وتحديد الكفاءات المطلوبة في بيئات الأعمال. ففي مؤتمر «إتش آر إس إي» في دبي، الذي استقطب أكثر من 3500 متخصص في الموارد البشرية من 35 دولة، بينهم نحو 200 من كبار مسؤولي الموارد البشرية، أجمعت القيادات على أن التقنية غيّرت طبيعة العمل بالفعل وأصبحت واقعا قائما يتجاوز الترقب النظري.
أوضح محمد جودت، الكاتب والموظف التنفيذي السابق للأعمال في «جوجل إكس»، أمام مؤتمر قادة الموارد البشرية، أن دور الإدارات يجب أن ينتقل من معالجة تبعات التغير التقني بعد وقوعه إلى توجيه المنظمات في مسار التكيف ذاته. وطرح جودت أن إدخال أدوات الذكاء الاصطناعي لا يصح اعتباره مبادرة تقنية محصورة في أقسام تكنولوجيا المعلومات وحدها، بل يتطلب عملا مشتركا بين مسؤولي التقنية والموارد البشرية لتحديد القدرات التي سيحتاجها الموظفون وتوظيف الآلة لرفع كفاءة العنصر البشري، مشددا على ضرورة فرز المهام القابلة للأتمتة عن تلك التي تتطلب تعزيز القدرات أو يبقى فيها الحكم البشري عنصرا حاسما.
قيمة الدور الوظيفي لم تعد ترتبط بحدود الوصف المكتوب، بل بما يحمله الموظف من مهارات قابلة للتطبيق على مهام متغيرة. هذا التحول نحو التوظيف القائم على المهارات كان المحور الأبرز في تحليل دانييلي غالاتي من منصة «إنديد»، حيث يشهد سوق العمل تسارعا في تغير متطلبات المهام يتجاوز هياكل الأدوار التقليدية. وبدلا من الاعتماد الحصري على الشهادات والمسميات السابقة وسنوات الخبرة، تتجه جهات التوظيف إلى اختبار ما يستطيع المرشح إنجازه عمليا ومدى قابليته لتطوير قدراته تزامنا مع تطور المهام، مع التركيز على رصد مؤشرات الفجوات المهارية وعلامات مغادرة الكفاءات قبل وقوعها.
يضع هذا التوجه مسؤولية فورية على عاتق إدارات الموارد البشرية تجاه كوادرها القائمة، فالأفراد الذين تشهد أدوارهم الحالية إعادة تشكيل بواسطة الأنظمة الذكية يحتاجون إلى فرص منظمة لاكتساب مهارات مستحدثة بدلا من دفعهم لمنافسة كفاءات خارجية على مسميات جديدة. ويتطلب ذلك من المؤسسات تخصيص الوقت والموارد الكافية لتأهيل العاملين مع تطور طبيعة العمل، إلى جانب استيعاب احتياجات القوى العاملة عبر مختلف المراحل العمرية والأجيال المهنية، لضمان استمرار جاهزيتهم الوظيفية في ظل مسارات مهنية تمتد لفترات أطول وتواجه تحولات نوعية متتابعة.
تحويل الذكاء الاصطناعي من مشروع برمجيات معزول إلى خطة هيكلية لإدارة الكفاءات يعيد ضبط حسابات التكلفة والتوظيف في أسواق الخليج ومصر والشام. فعلى مستوى القيادات التنفيذية ومسؤولي التوظيف في المنطقة، يفرض هذا المسار التخلي عن مطاردة المسميات الوظيفية المستحدثة في السوق الخارجي بتكاليف استقطاب مرتفعة، والتركيز على تدقيق المهارات الفعلية داخل المنشأة. وحين تفحص كلفة استبدال موظف يمتلك دراية عميقة بالسياق التشغيلي والتنظيمي المحلي مقارنة بكلفة تزويده بالمهارات التقنية اللازمة لاستخدام النماذج الحديثة، يظهر الاستثمار في تدريب الكوادر الحالية كقرار اقتصادي رشيد يخفف أعباء التدوير الوظيفي. وتبرز هنا ضرورة إنهاء العزلة التنظيمية بين إدارات التقنية وفرق الموارد البشرية، بحيث تشترك الجهتان في تحديد المهام القابلة للأتمتة بدقة، مع تعزيز قدرات الكوادر المحلية في مجالات التدقيق واتخاذ القرار التي لا تغني عنها البرمجيات.
في قراءتنا التحريرية لخلاصات هذه النقاشات، يظهر بوضوح أن الذكاء الاصطناعي يعيد رسم ملامح المهام والوظائف، لكن استجابة المنظمات هي العامل الحاسم في تحديد مآل القوى العاملة: فإما أن يتعرض الموظف للتهميش نتيجة بطء التكيف، وإما أن يُمكّن عبر التدريب الموجه للانتقال نحو أعمال ذات قيمة استراتيجية أعلى. إن كسب هذا الرهان لا يتحقق بمراقبة التطورات التقنية عن بعد، وإنما بتمكين الموظفين ومنحهم الأدوات والوقت اللازمين لتنمية المهارات البشرية التي تظل عصية على الاستبدال الآلي.