«أنثروبيك» تكتشف نظام إنزيمات شبيهاً بـ«كريسبر» عبر 950 وكيلاً ذكياً: هل دخل التنقيب الحيوي عصر الأتمتة؟
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
أعلنت شركة «أنثروبيك» عن اكتشاف نموذجها الذكي «كلود» نظاماً إنزيمياً غير معروف مسبقاً داخل الحمض النووي للفيروسات الآكلة للبكتيريا، أطلقت عليه اسم النسخ العكسي المرتبط بالمصفوفات، واختصاراً نظام «ART». ويتميز النظام المكتشف بوجود مصفوفة طويلة من تكرارات الحمض النووي بجوار جين الإنزيم، وهو نمط يحاكي التركيب البنيوي لنظام «كريسبر» الشهير لتعديل الجينات. وتعتمد هذه المنظومة في جوهرها على إنزيمات النسخ العكسي المسؤولة عن تحويل الحمض النووي الريبوزي إلى حمض نووي ريبوزي منقوص الأكسجين، ما يضعها ضمن فئة نادرة من الأنظمة الحيوية القادرة على التعامل البرمجي مع الشفرات الوراثية بالقص والنسخ واللصق.
المثير في هذه السابقة العلمية لا يتوقف عند الطبيعة البيولوجية للنظام المكتشف، بل يمتد إلى هندسة التنقيب الرقمي التي قادت إليه؛ فقد اعتمدت العملية الاستكشافية على أسطول مكون من قرابة 950 وكيلاً ذكياً مستقلاً، عملت على مدار 21 ساعة متواصلة واستهلكت نحو 210 ملايين رمز رقمي. وخلال هذه الرحلة الحسابية، مسح الوكلاء أكثر من 200 ألف إنزيم نسخ عكسي، واستخرجوا 3500 نظام مرشح جديد، قبل تصفيتها بدقة فائقة لتستقر القائمة عند أفضل عشرين مرشحاً فقط، ما مكن أحد الوكلاء من رصد هذا النمط الاستثنائي.
وقد حظي هذا الاكتشاف باهتمام الأوساط الأكاديمية المتخصصة، حيث وصف فينغ تشانغ، أحد رواد تقنية «كريسبر» والباحث في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا ومعهد برود، رصد مصفوفات تكرار الحمض النووي الريبوزي المرتبطة بإنزيمات النسخ العكسي بأنه تطور مثير للاهتمام ويستحق بحثاً مستفيضاً. ورغم الاستقلالية الكاملة للوكلاء الرقميين في الفرز والتحليل، وضعت «أنثروبيك» حدوداً صارمة للتطبيق العملي، إذ اقتصرت أبحاثها المخبرية على مستويات الأمان الحيوي الأول والثاني دون التعامل مع مسببات أمراض تصيب البشر، مع إسناد كافة التجارب المعملية الرطبة إلى علماء بشريين حصراً.
ولا يزال هذا الاكتشاف محاطاً بأسئلة علمية مفتوحة لم تحسم بعد، إذ لم تحدد الشركة الوظيفة البيولوجية الدقيقة لنظام «ART» في بيئته الطبيعية، كما لم يتضح بعد ما إذا كان قابلاً للتحوير والاستخدام الطبي أو الحيوي كما حدث تاريخياً مع تقنيات تعديل الجينات، فضلاً عن غياب أي خطط تجارية معلنة في الوقت الراهن.
هذا التحول في آليات الاكتشاف يفرض واقعاً جديداً على مراكز الأبحاث والمؤسسات الصحية في الخليج ومصر والشام؛ فالسباق في علوم الجينوم والتكنولوجيا الحيوية لم يعد محكوماً فقط بامتلاك أجهزة التسلسل الجيني باهظة الثمن أو توظيف فرق ضخمة من الباحثين لفرز قواعد البيانات يدوياً. إذا كنت تقود مختبراً تقنياً أو أكاديمياً في المنطقة، فإن كلفة التوصل إلى فرضيات علمية رصينة تتجه نحو الانخفاض بفضل أسراب الوكلاء المؤتمتة، بينما تتصاعد في المقابل قيمة الباحث البشري القادر على تصميم بيئات التجريب المخبري والتحقق الواقعي من مخرجات الخوارزميات.
المهارة المطلوبة اليوم في أسواقنا باتت تجمع بين فهم البيولوجيا الجزيئية وإدارة مسارات الوكلاء البرمجية، ما يتيح للمؤسسات الإقليمية تجاوز قيود الميزانيات البحثية ومنافسة المراكز الدولية في استخراج القيمة من البيانات الحيوية المفتوحة، شريطة الالتزام بأطر السلامة الحيوية وتأكيد القيادة البشرية لخطوات الاختبار المعملي.