مكاتب العائلات الخليجية تدخل عصر الاستثمار المؤسسي: قفزة صفقات التقنية ورأس المال الجريء تعيد هيكلة إدارة الثروات
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
لم تعد مكاتب العائلات في منطقة الخليج تكتفي بالاعتماد على الروابط التقليدية والحدس المتوارث عبر الأجيال لإدارة أصولها، بل تشهد تحولاً هيكلياً نحو نماذج استثمارية مؤسسية قادرة على اقتناص فرص النمو في الأسواق الخاصة والتقنيات المتقدمة. هذا التطور يعكس رغبة واضحة لدى الأجيال الصاعدة في تجاوز الأنماط السابقة لإدارة الثروات، والتوجه بجرأة نحو قطاعات الذكاء الاصطناعي، ورأس المال الجريء، والائتمان الخاص، والبنية التحتية، والطاقة المتجددة، بعدما كان الحضور الاستثماري يتركز في إدارة المحافظ السلبية عبر مديرين خارجيين.
وتكشف البيانات الصادرة عن دراسة صفقات مكاتب العائلات العالمية لشركة «بي دبليو سي» عن وتيرة هذا التحول؛ إذ أنجزت مكاتب العائلات في دولة الإمارات صفقات استثمارية في رأس المال الجريء بلغت قيمتها نحو 11 مليار درهم، أي ما يعادل 3 مليارات دولار، بين يوليو 2024 ويونيو 2025، محققة قفزة بلغت 15 ضعفاً مقارنة بالفترة السابقة، لتستقر الإمارات في المرتبة الثالثة عالمياً بعد الولايات المتحدة وبريطانيا. كما سجلت الدولة حضوراً بارزاً في صفقات الملكية الخاصة لتلك المكاتب بإجمالي صفقات قارب 5 مليارات دولار، لتحتل الترتيب السادس عالمياً بعد أن كانت تسجل صفراً في الفترة السابقة.
التحول إلى الدرجة المؤسسية لم يعد خياراً تكميلياً، بل أضحى مساراً لضبط حوكمة القرارات وتوزيع رأس المال بكفاءة عبر لجان استثمارية متخصصة وفرق فحص نافٍ للجهالة. وفي هذا السياق، يشير عبودي ناجيا، الرئيس المشارك للإمارات والسعودية وسلطنة عمان في بنك «لومبارد أوديير» السويسري، إلى أن مكاتب العائلات الإقليمية تبتعد عن الاكتفاء بالحلول التقليدية المدارة خارجياً، وترفع انكشافها على الاستثمارات المباشرة وفرص الاستثمار المشترك. وتتجلى هذه الممارسة محلياً في نماذج قائمة مثل شركة «النويس للاستثمار» في أبوظبي، التي تمتلك حصصاً رئيسية في كيانات كبرى تشمل «إيه إم إي إيه باور» و«دانواي إندستريز» ومجموعة روتانا لإدارة الفنادق.
ورغم أن التقرير العالمي لمكاتب العائلات لعام 2026 الصادر عن بنك «يو بي إس»، والذي شمل 307 مكاتب بمتوسط ثروة يصل إلى 2.7 مليار دولار، أظهر تراجعاً عالمياً في الصفقات المباشرة لصالح الصناديق لتتساوى النسبتان تقريباً، فإن منطقة الخليج تبرز بنهج استباقي في إعادة توجيه رؤوس الأموال لاقتناص الفرص ومواجهة التحديات الدولية. ويوضح توماس هدسون، مستشار مكتب أبوظبي للاستثمار، أن قادة الجيل الحالي والمقبل يستمدون توجهاتهم من مراكز الاستثمار العالمية مع اهتمام لافت بوادي السيليكون ومشاريع الذكاء الاصطناعي ومستقبل التنقل والصحة، حيث يعمدون إلى تأسيس هياكل استثمارية تشمل صناديق رأس المال الجريء أو استقطاب شركات دولية للتوسع محلياً.
هذا النضج حوّل المراكز المالية الإقليمية، لا سيما أبوظبي، إلى بيئة جاذبة للمكاتب العائلية الأجنبية والمستثمرين الدوليين. فقد افتتحت مؤسسات بارزة مقرات لها في سوق أبوظبي العالمي، من بينها شركة «آر بي كابيتال / رويال هولدنجز» السنغافورية، ومكتب راي داليو مؤسس «بريدجووتر أسوشيتس»، وشركة «سيميتار» التابعة لرئيس «أبولو» السابق ليون بلاك. ويؤكد رئيس مجلس إدارة «سيميتار» أسد حسيني أن المستثمرين باتوا يخرجون من مقاعد الانتظار لاقتناص فرص الانخفاض السعري المؤقت للأصول والبحث عن عوائد أعلى عبر هياكل خاصة تركز على الائتمان والتقنية.
هذا المسار يفرض تغييراً ملموساً على بيئة الأعمال ورواد التقنية في الخليج ومصر والمنطقة ككل؛ إذ لم يعد استقطاب التمويل من الثروات العائلية يعتمد على المعارف غير الرسمية، بل غدا خاضعاً لمعايير تقييم تقنية وحوكمة مشددة تماثل متطلبات كبرى المؤسسات المالية العالمية. ويتزامن ذلك مع اتساع فجوة الكفاءات المطلوبة لبناء استراتيجيات استثمارية دقيقة وقيادة مكاتب الاستثمار، وهو التحدي الذي تتصدى له مبادرات متخصصة مثل كلية إدارة الثروات والأصول التابعة لأكاديمية سوق أبوظبي العالمي، بقيادة علي المهيري، لإعداد كوادر تجمع بين الحس التقني والرؤية المؤسسية، بما يضمن استدامة الثروة وتوجيهها نحو قطاعات المستقبل عالية الإنتاجية.