«غوغل كلاود» و«أكسنتشر» تؤسسان وحدة مشتركة: سباق الذكاء الاصطناعي ينتقل من بيع النماذج إلى إرسال المهندسين الميدانيين
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
أطلقت «غوغل كلاود» بالتعاون مع شركة الاستشارات العالمية «أكسنتشر» وحدة أعمال مشتركة تحمل اسم «مجموعة أكسنتشر جيميني لمشاريع الأعمال»، في خطوة تستهدف إرسال مهندسين متخصصين مباشرة إلى داخل المؤسسات لمساعدتها على تسريع تبني أدوات الذكاء الاصطناعي وخدماته. وبموجب هذا الاتفاق، تتولى غوغل تدريب ما يصل إلى ألف مهندس نشر ميداني من أكسنتشر للعمل داخل الشركات وبناء تطبيقات مخصصة بالاعتماد على منصة «جيميني إنتربرايز»، على أن تتبع الوحدة تنظيميًا لشركة أكسنتشر وفق ما أكده متحدث باسم غوغل.
تأتي هذه الخطوة في قلب تحول واسع في استراتيجيات شركات التقنية الكبرى؛ فالرهان التجاري لم يعد مقتصرًا على تطوير النماذج التوليدية، بل امتد إلى تحويل عمليات الدمج والتطبيق الميداني إلى صناعة قائمة بذاتها تُقدّر بتريليونات الدولارات. وقد أسست شركات منافسة مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«مايكروسوفت» و«أمازون» وحدات أعمال مستقلة تركز على مهندسي النشر الميداني، استجابة للمأزق الاقتصادي الذي يواجه مزودي السحاب؛ إذ تضخ هذه الشركات مئات المليارات من الدولارات سنويًا في وحدات معالجة الرسومات ومراكز البيانات وتأمين الطاقة، بينما لا تزال العائدات المباشرة المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تمثل جزءًا ضئيلًا من تلك الاستثمارات الضخمة.
وتعكس أرقام غوغل حجم هذا الضغط، فرغم تحقيق «غوغل كلاود» إيرادات بلغت 24.8 مليار دولار في الربع الثاني مدفوعة بدرجة كبيرة بالذكاء الاصطناعي للمؤسسات، فإن الشركة الأم «ألفابت» تراكمت عليها التزامات شراء وتعاقدات مستقبلية وصلت إلى 811 مليار دولار حتى نهاية يونيو. ولا يزال العائد على الاستثمار يتعثر نتيجة عجز المؤسسات نفسها عن تحويل إنفاقها على التقنية إلى مكاسب مالية واضحة أو خفض في التكاليف، بسبب افتقارها إلى الكفاءات القادرة على دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في دورات العمل المعقدة، وهو الفراغ الذي يسعى مهندسو النشر الميداني إلى ملئه عبر الجمع بين الفهم التجاري والخبرة في بناء الوكلاء المستقلين.
وتكشف بيانات الإنفاق المؤسسي عن دوافع استعجال غوغل، إذ أظهرت بيانات منصة «رامب» لشهر أغسطس أن غوغل لا تستحوذ سوى على نحو 6% من إنفاق الذكاء الاصطناعي بين عملائها من الشركات في الولايات المتحدة، مقابل 43.5% لصالح «أنثروبيك» و39.7% لشركة «أوبن إيه آي». ورغم إشارة غوغل إلى أن هذه العينة تستثني العقود الاستراتيجية الكبرى التي تبرمها مع كيانات مثل «أوراكل» و«ميتا» و«سيرفس ناو»، فإن الشركة سارعت إلى توسيع مظلة النشر الميداني، بعدما رصدت في وقت سابق 750 مليون دولار لمنظومة شركاء شملت «كابجيميني» و«كوجنيزانت» و«ديلويت»، بجانب اتفاقية مع «سي في سي كابيتال بارتنرز» لإرسال مهندسين إلى شركات محفظتها الاستثمارية. في المقابل، تسعى أكسنتشر لحماية موقعها من شركات ناشئة متخصصة في نشر المهندسين الميدانيين مثل «أودي» المتعاونة مع أنثروبيك، أو «ذا ديبلويمينت كو» التابعة لأوبن إيه آي، مكررة نموذج شراكاتها السابقة هذا العام مع مايكروسوفت وسيرفس ناو وإس إيه بي.
بالنسبة للمديرين التقنيين وقادة التحول الرقمي في الخليج ومصر والمشرق، يحمل هذا التوجه دلالة عملية حاسمة: عصر شراء اشتراكات النماذج الخام عبر واجهات البرمجة يفسح المجال أمام شراء فرق هندسية مدمجة لإعادة تصميم العمليات الداخلية. ففي بيئات الأعمال الإقليمية التي تقود فيها المصارف وشركات الاتصالات والجهات الحكومية مشاريع أتمتة كبرى، لم تعد العقبة في ترخيص النموذج بل في ربطه بقواعد البيانات القديمة وتطويعه لمهام محددة وتوليد عائد مالي حقيقي منه. هذا التحول يعيد تشكيل شروط التعاقد مع مكاتب الاستشارات؛ فلن تبحث مؤسستك عن مجرد استشارات إدارية عامة أو تراخيص برمجية، بل ستشترط فرقًا هندسية تجلس على مقربة من موظفيك وتبني حلول الوكلاء داخل بيئتك التشغيلية، كما يضع المتخصصين في المنطقة أمام ضرورة اكتساب مهارات هندسة النشر الميداني لتلبية متطلبات هذا النموذج الجديد.
معركة الذكاء الاصطناعي المؤسسي تنتقل بثبات نحو الأرض؛ ومن ينجح في توفير المهندسين القادرين على فك اختناقات التشغيل داخل مكاتب العملاء هو من سيضمن تبرير الإنفاق السحابي الملياري وتحويل الوعود التقنية إلى عقود مستدامة.