«ممر رقمي بري يربط الخليج بالمتوسط: مسار بديل للكابلات البحرية عبر الأراضي السورية»
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
تتجه الرياض ودمشق إلى تدشين ممر رقمي بري يعيد رسم مسارات تدفق البيانات بين آسيا وأوروبا، عبر ربط الكابلات البحرية التي تصل إلى الساحل السوري بشبكات الاتصالات في سوريا والأردن والمملكة وصولًا إلى سلطنة عُمان. هذا التحرك، الذي يُنتظر توقيع اتفاقيته الرسمية للبنية التحتية الرقمية في الرياض، يمثل تحولًا في استراتيجيات الربط الإقليمي عبر نقل مسارات نقل البيانات من الاعتماد شبه الحصري على الممرات البحرية المضطربة إلى شبكات برية محمية.
تأتي هذه الخطوة ضمن حزمة اتفاقيات شملت أربع مذكرات تفاهم وقعها وزير النقل السعودي صالح الجاسر في دمشق لتطوير قطاعات الطرق والسكك الحديدية والطيران والخدمات البريدية. الاتفاق الرقمي المرتقب يؤسس لمسار قاري بديل للاتصالات وحركة البيانات يربط الخليج بالبحر المتوسط، بالتوازي مع مشاريع استثمارية سعودية تشمل إنشاء شبكة ألياف ضوئية وطنية تنفذها شركة الاتصالات السعودية في الداخل السوري، فضلًا عن مساعي تطوير البنية البريدية بمشاركة شركات من القطاع الخاص السعودي قدمت عروضها بالفعل.
تمتد مذكرات التفاهم الموقعة لخمس سنوات قابلة للتجديد تلقائيًا، مع تحديد مهلة ستة أشهر لوضع خطط التنفيذ وتحديد نقاط الربط الجغرافية والفنية. ولتأمين التدفقات الاستثمارية اللازمة، اتفقت الجهات المعنية على تأسيس مصرف سعودي سوري مشترك بشراكة بين مجلس الأعمال المشترك ومصرف سوريا المركزي، ليكون ذراعًا تمويلية للمشاريع المشتركة وتسهيل حركة رؤوس الأموال.
تنويع مسارات نقل البيانات أصبح ضرورة أمنية واقتصادية ملحة لمراكز الحوسبة والاتصالات في المنطقة. فالاضطرابات المستمرة في البحر الأحمر والممرات المائية تفرض مخاطر متزايدة على البنية التحتية للكابلات البحرية التي تحمل الجزء الأكبر من حركة الإنترنت العالمية بين الشرق والغرب. ويمنح توجيه خطوط الألياف الضوئية عبر الأراضي الأردنية والسورية وصولًا إلى المتوسط ميزة جغرافية تقلل من نقاط الاختناق البحرية، وتوفر بديلًا مرنًا يضمن استمرارية خدمات السحابة ونقل البيانات دون انقطاع.
هذا التحول يغير عمليًا حسابات التكلفة والمخاطر لشركات الاتصالات ومزودي الخدمات السحابية ومراكز البيانات في الخليج وبلاد الشام. فوجود ممر بري بديل يقلل كلفة التأمين ضد انقطاع الكابلات البحرية، ويمنح المشغلين في السعودية والإمارات وعُمان مسارًا أقصر زمنيًا لنقل البيانات إلى المراكز الأوروبية، كما يفتح أمام الكوادر التقنية وفرق الشبكات في الأردن وسوريا فرصًا لتشغيل وصيانة عقد ربط إقليمية متقدمة. إضافة إلى ذلك، فإن دمج الشبكة السورية مع البنية التحتية للخليج يعزز موثوقية استضافة الأنظمة السيادية للبيانات في بيئة تشغيل متعددة المسارات.
نرى أن البنية الرقمية أصبحت حجر الزاوية في مشاريع إعادة الإعمار والربط الاقتصادي الإقليمي، حيث لم تعد الممرات تقتصر على الطرق والسكك الحديدية لنقل البضائع، بل باتت ممرات البيانات والألياف الضوئية هي الشريان الأساسي لضمان السيادة الرقمية ومرونة الاتصال العالمي.