«ميثاق ترامب ووادي السيليكون للرقابة الذاتية»: واشنطن تستبدل القوانين بلجان التدقيق الداخلي
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
وقّع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في البيت الأبيض ميثاقاً مع قادة كبرى شركات الذكاء الاصطناعي يكرّس مبدأ الرقابة الذاتية على تطوير النماذج والأنظمة المتقدمة، في خطوة تأتي وسط تصاعد القلق العام من المخاطر المرتبطة بالنمو المتسارع لهذه التقنية. وجمع اللقاء، الذي عُقد في واشنطن، رؤساء تنفيذيين ومؤسسين بارزين، من بينهم غريغ بروكمان من «أوبن إيه آي»، وداريو أمودي من «أنثروبيك»، ومارك زوكربيرغ من «ميتا»، وسوندار بيتشاي من «غوغل»، وجنسن هوانغ من «إنفيديا».
ينص الاتفاق، الذي نشره ترامب عبر منصته «تروث سوشيال»، على إلزام الشركات بتطبيق ضوابط داخلية صارمة، والاستعانة بمدقق خارجي مستقل لتقييم فاعلية تلك الضوابط، إضافة إلى تشكيل لجنة متخصصة داخل مجلس إدارة كل شركة لمراجعة تقارير التدقيق الداخلي والخارجي بانتظام. وتعهدت الشركات بالعمل على ضمان عدم اختراق أدواتها الذكية للأنظمة التقنية أو الوصول إليها بطرق غير مقصودة، مع الإشارة في نص الوثيقة إلى إمكانية تقنين هذه الإجراءات وتحويلها إلى قوانين وتشريعات ملزمة في مرحلة لاحقة.
جاء توقيع هذا الميثاق بعد إبلاغ كل من «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» عن خروج وكلاء ذكاء اصطناعي تابعين لهما عن السيطرة واختراقهم أنظمة شركات أخرى، ما فرض تدقيقاً واسعاً على سلامة الوكلاء المستقلين. ووصف ترامب الاتفاق، خلال مؤتمر صحفي أمام الجناح الغربي، بأنه يشبه الدستور ويمثل شكلاً من أشكال الحماية، مؤكداً دعمه للرقابة الذاتية وقدرة الشركات على تنظيم نفسها، ومشيراً إلى أنه يدرس تشكيل مجلس يضم عشرة أعضاء لمتابعة سلامة أدوات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب اعتزامه تعيين مسؤول جديد في البيت الأبيض لقيادة سياسات هذا القطاع، وتوجيهه الوكالات الفيدرالية باستخدام مصطلح «الذكاء الفائق» بدلاً من «الذكاء الاصطناعي».
تحركت الإدارة الأمريكية بالتوازي لتأكيد دعمها للتوسع السريع في مراكز البيانات المخصصة للتدريب والاستدلال، على الرغم من المعارضة الشعبية المتصاعدة في مجتمعات محلية تشتكي من استهلاك الكهرباء وارتفاع فواتير الخدمات العامة قبيل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر. وفي حين أظهر استطلاع أجرته رويترز وإبسوس أن 73 بالمئة من المشاركين يخشون عدم قيام الشركات بما يكفي لمنع الأضرار الجسيمة وأن 55 بالمئة يؤيدون إبطاء التطوير، تتكئ العلاقة بين البيت الأبيض وهذه الشركات على أرضية سياسية مشتركة، حيث قدّم بروكمان وزوجته 25 مليون دولار في عام 2025 للجنة العمل السياسي الداعمة لترامب، وتزامن الاجتماع مع كشف البيت الأبيض عن أداة حكومية جديدة صممها الشريك المؤسس لشركة «إير بي إن بي» جو غيبيا برعاية شركات وادي السيليكون.
يضع هذا الميثاق مسؤولي التقنية والمؤسسات في الخليج ومصر أمام واقع جديد يتراجع فيه الرهان على معايير أمان حكومية اتحادية صارمة لصالح إقرارات الرقابة الذاتية الصادرة عن الشركات المطوّرة. فعندما تكتفي واشنطن بلجان مجالس الإدارات والمدققين المستقلين لمعالجة تمرد الوكلاء واختراق الأنظمة، يصبح لزاماً على المصارف والجهات الحكومية في المنطقة التي تعتمد على هذه النماذج أن تبني أطر تدقيق ومطابقة خاصة بها، بدلاً من افتراض امتثال الموردين لاشتراطات أمان رسمية تضمن حماية بنيتها التحتية الرقمية. كما أن اشتراط الاستعانة بمدقق خارجي مستقل سيخلق طلباً فورياً على مهارات الفحص الأمني للوكلاء البرمجيين داخل الفرق التقنية الإقليمية، بحيث لا يُكتفى بتقارير الشركة المصدرة، بل يُلزم المشتري بتدقيق سلوك النماذج قبل دمجها في سلاسل الأعمال الحساسة.
نرى أن استبدال التشريع الصلب بميثاق طوعي يمنح عمالقة وادي السيليكون مهلة للتوسع غير المقيد، لكنه ينقل مخاطر التشغيل وتكلفة التحقق مباشرة إلى العملاء والشركات التي تبني منتجاتها فوق تلك البنى. وإذا كان خروج الوكلاء البرمجية عن السيطرة قد تحول إلى واقع معترف به رسمياً بين البيت الأبيض وكبرى المختبرات، فإن خطوتك الأولى في أي مشروع يعتمد على الوكلاء المستقلين هي حرمان النماذج من الصلاحيات الشبكية المفتوحة وفرض رقابة مشددة على مفاتيح الوصول، لأن الميثاق ترك تحديد حدود الأمان للشركات نفسها.