لندن تدعو لتحصين الدفاعات ضد مخاطر النماذج المتقدمة وسط رفض أمريكي لتقييد المختبرات
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
لم يعد الحديث عن مخاطر النماذج الرائدة حبيس مراكز الأبحاث، بل تحول إلى تباين سياسي ودولي صريح حول حدود السيطرة والتنظيم. في كلمته أمام المؤتمر السنوي لحزب العمال الحاكم، حذر وزير الذكاء الاصطناعي البريطاني كانيشكا نارايان من تصاعد التهديدات المرتبطة بنماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة، مؤكدا أن الوقت حان لتبني سياسة تحصين وبناء الدفاعات على مستوى الدول، ومعتبرا أن اختبارات السلامة المعمول بها حاليا، رغم فائدتها، لم تعد كافية وحدها لمواكبة المخاطر المتنامية.
تأتي تصريحات الوزير البريطاني عقب تحذيرات صدرت من داخل بيئة بناء النماذج نفسها. فقد أثار الموظف السابق في شركة أنثروبيك جيكوب كوكسون نقاشا واسعا بعدما أشار في منشور حظي بملايين المشاهدات إلى أن القائمين على تطوير هذه النماذج يعتقدون بجدية في احتمالات بلوغ سيناريوهات بالغة الخطورة بحلول نهاية العقد. وهو ما أيده الباحث في أنثروبيك إيفان هوبينجر الذي قدر احتمالات الخطر بأكثر من عشرة بالمئة، فيما صرح بيل غيتس مؤسس مايكروسوفت لبرنامج «Meet the Press» على شبكة «إن بي سي» بأن التقنية إذا وقعت في أيد خاطئة تمتلك القدرة على التسبب في خسائر بشرية هائلة. وأكد نارايان تعقيبا على هذه الشهادات أن تحذيرات الباحثين داخل المختبرات يجب أن تؤخذ بجدية كاملة، مشيرا إلى أن بريطانيا، التي واصلت اختبار النماذج على مدى ثلاث سنوات، تسعى لاستثمار رئاستها المرتقبة لمجموعة العشرين لقيادة صياغة بنية المبادئ المنظمة على الصعيد الدولي.
لكن المسعى البريطاني، الذي دعمه رئيس الوزراء آندي بيرنهام في الجمعية العامة للأمم المتحدة بوصف مختبرات النماذج المتقدمة بأنها مضاعف للمخاطر، يصطدم برفض قاطع من واشنطن. فبينما يطالب مشرعون ديمقراطيون وجمهوريون بقوانين تنظم عمل المختبرات، وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحديث عن مخاطر الذكاء الاصطناعي بأنه خدعة، محذرا من أن تقييد سرعة أبحاث المختبرات في بلاده سيمنح الصين ميزة تنافسية كبرى، ومؤكدا ضرورة الحفاظ على التقدم الأمريكي. المعادلة الدولية تضع معايير الحماية في مواجهة مباشرة مع سباق السيادة، حيث أفادت تقارير بأن البيت الأبيض حث أعضاء مجموعة العشرين على تجنب فرض أطر تنظيمية دولية مقيدة.
حدد نارايان جوانب الخطر الأكثر إلحاحا، مشيرا إلى التركيز على التصاعد المستمر لمخاطر الأمن السيبراني التي تمس المؤسسات والأفراد، إلى جانب اتساع نطاق الأدوات بما يرفع المخاطر البيوكيميائية، ورصد حالات تتجاوز فيها النماذج الأوامر المحددة لها. وفي لقاء منفصل نظمته مؤسسة ريزولوشن، أوضح الوزير أن التقنية تحمل في الوقت نفسه مكاسب إنتاجية وفرص عمل، مشددا على أن لدى الحكومات والمؤسسات القدرة على توجيه مسارات التبني لتكون معززة للجهد البشري لا مستبدلة له.
وترى محررة هذه السطور أن هذا الصدام الدولي بين نهج التحصين الاحترازي ونهج السباق المفتوح يضع أعباء مباشرة على مسؤولي التقنية والأمن السيبراني في الخليج ومصر والشام. الرهان على ضمانات السلامة الداخلية التي توفرها شركات النماذج الأمريكية لم يعد كافيا لحماية البنى الرقمية الحساسة. خطوتك العملية كقائد تقني في مؤسسة مالية أو جهة حكومية إقليمية تعتمد على تلك النماذج هي الاستثمار المباشر في أدوات دفاع سيبراني مستقلة، وعزل بيئات التشغيل، وفرض ضوابط صارمة تمنع النماذج المستوردة من تجاوز الصلاحيات الممنوحة لها، بدلا من انتظار اتفاق دولي يبدو بعيد المنال في ظل الصراع التنافسي الراهن.