تخطَّ إلى المحتوى

المعرفة قوة ،،، لكنها لم تعد كافية

شارك المقال
المعرفة قوة ،،، لكنها لم تعد كافية
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

استمع لهذا المقال

بصوت سلمى (Salma)

طول عمرنا وإحنا بنسمع الجملة الشهيرة:
“Knowledge is Power.”

وأعتقد إن معظمنا كبر وهو مقتنع إنها حقيقة لا تقبل النقاش. اقرأ أكتر، اتعلم أكتر، احضر دورات أكتر، واجمع معلومات أكتر… وهتبقى أقوى من غيرك.

لكن مع التطور السريع في الذكاء الاصطناعي، بدأت أسأل نفسي سؤالًا مختلفًا:
هل المعرفة، لوحدها، ما زالت هي القوة؟

كل يوم تقريبًا، أستخدم الذكاء الاصطناعي في شغلي بمجال التعلم والتطوير. ومع الوقت، اكتشفت إن أكبر تغيير حصل مش في الأدوات اللي بنستخدمها، لكن في معنى “القيمة” نفسها. وأدركت إن الجملة اللي اتعلمناها طول عمرنا محتاجة إضافة صغيرة… لكنها مهمة جدًا.

زمان… المعرفة كانت ميزة تنافسية

قبل سنوات، كان الوصول للمعلومة في حد ذاته إنجازًا. كنا نشتري الكتب، ونحضر المؤتمرات، ونقضي ساعات في البحث حتى نجد إجابة لسؤال واحد. الشخص الذي يعرف أكثر، كانت لديه فرصة أكبر للنجاح، لأن المعرفة لم تكن متاحة للجميع.

أما اليوم، فالأمر اختلف تمامًا.
بضغطة زر، يستطيع أي شخص أن يسأل الذكاء الاصطناعي عن أي موضوع، ويحصل على شرح، وأمثلة، ومراجع، وخطة عمل، وربما عرض تقديمي كامل أيضًا.
لأول مرة في التاريخ، أصبحت المعرفة متاحة تقريبًا للجميع. وهنا توقفت أمام سؤال مهم…

إذا كانت المعرفة متاحة للجميع، فما الذي سيجعل شخصًا متميزًا عن الآخر؟

الميزة الحقيقية لم تعد في “المعرفة”

من وجهة نظري، الميزة التنافسية لم تعد في كمية المعلومات التي نمتلكها، بل في الطريقة التي نتعامل بها معها.
أصبح الأهم أن تعرف كيف تطرح السؤال الصحيح، وكيف تتحقق من الإجابة، وكيف تربط بين أكثر من فكرة، ثم تحول كل ذلك إلى قرار أو حل أو قيمة حقيقية.

الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقدم لك مئات الأفكار في دقائق، لكنه لا يعرف أيها يناسب ثقافة مؤسستك، أو فريقك، أو التحدي الذي تواجهه اليوم.
هنا يبدأ دور الإنسان.

ما الذي تغير في عملي؟

هذا المفهوم غيّر طريقة عملي في التعلم والتطوير.
في الماضي، كنت أركز كثيرًا على إعداد المحتوى ونقل المعرفة. أما اليوم، فأصبحت أسأل نفسي سؤالًا مختلفًا قبل تصميم أي برنامج تدريبي:
هل سيخرج المشاركون بمعلومات جديدة فقط… أم بطريقة جديدة في التفكير؟

منذ فترة، كنت أعمل على تصميم أحد البرامج التدريبية داخل الشركة. أثناء مراجعة المحتوى، لاحظت أن أغلب المعلومات التي سنقدمها يمكن لأي مشارك أن يصل إليها خلال دقائق باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي.

في تلك اللحظة، أدركت أن قيمة البرنامج لن تكون في المعلومات نفسها، بل في النقاش الذي سيدور حولها، والأسئلة التي سيطرحها المشاركون، والأنشطة التي ستساعدهم على تطبيق تلك المعرفة في مواقف حقيقية.

وقتها غيّرت تصميم الجلسة بالكامل.
قللت وقت الشرح، وزدت وقت الحوار، والتطبيق، وتحليل المواقف الواقعية.
وللمفارقة، كانت هذه واحدة من أكثر الجلسات تفاعلًا وتأثيرًا.

هل يجب أن يتغير التعلم أيضًا؟

إذا كانت المعرفة أصبحت متاحة للجميع، فمن الطبيعي أن يتغير هدف التعلم.
لم يعد النجاح في أن نحفظ أكثر، أو نعرف أكثر.
النجاح الحقيقي أصبح في أن نفهم بصورة أعمق، ونفكر بصورة أفضل، ونتخذ قرارات أكثر جودة.

أعتقد أن دورنا كمتخصصين في التعلم والتطوير لم يعد نقل المعرفة، بل بناء مهارات التفكير، وتعليم الناس كيف يسألون، وكيف يحللون، وكيف يستخدمون الذكاء الاصطناعي كشريك يساعدهم، لا كبديل يفكر عنهم.

في النهاية…

أنا لا أعتقد أن مقولة “Knowledge is Power” أصبحت خاطئة.
لكنني أعتقد أنها لم تعد كاملة.

ففي عصر الذكاء الاصطناعي، المعرفة وحدها لم تعد كافية، لأنها أصبحت في متناول الجميع.
أما ما يصنع الفارق الحقيقي، فهو ما تفعله بهذه المعرفة.

  • كيف تحللها.
  • كيف تربطها بالواقع.
  • كيف تحولها إلى قرار.
  • وكيف تستخدمها لتصنع أثرًا حقيقيًا.

ربما لو أردنا تحديث المقولة الشهيرة لتناسب عصرنا، فسأكتبها بهذا الشكل:

“Knowledge is Available… Thinking is the Real Power.”

لأن المعرفة أصبحت متاحة للجميع…
لكن طريقة التفكير، حتى الآن، ما زالت هي الميزة التنافسية الحقيقية.


عن الكاتب: وليد مروان استراتيجي في تطوير المواهب، ومدير تعلم وتطوير، ومدرب وميسّر، وكوتش مهني معتمد، يمتلك خبرة مهنية تتجاوز 18 عامًا في قطاعات مختلفة. يشغل حاليًا منصب مدير التعلم والتطوير في مجموعة تمر بالمملكة العربية السعودية، ويقود تصميم وتنفيذ استراتيجيات ومبادرات تطوير المواهب، وبرامج إعداد القيادات، والتعلم المؤسسي، والتطوير القائم على الجدارات، وبناء ثقافة الكوتشنج داخل المؤسسات. كما يشغل منصب عضو مجلس إدارة ومدير الفعاليات والمجتمع في فرع الاتحاد الدولي للكوتشنج ICF في السعودية، وهو شريك مؤسس في مجتمع The Career Hive، ومؤلف مشارك في كتاب «الخلاصة». ويرتكز نهجه المهني على رسالة واضحة: التعلّم، والتمكين، وتطوير الأفراد من الإمكانات إلى الأداء.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد