تخطَّ إلى المحتوى

إذا تولّى الذكاء الاصطناعي مهام الـJunior… فكيف نبني خبرة الـSenior؟

شارك المقال
مرشد مهني يتأمل كيف يوازن الذكاء الاصطناعي بين إنجاز المهام وبناء الخبرة
صورة مولّدة بالذكاء الاصطناعي · AI Gossips

استمع لهذا المقال

بصوت سلمى (Salma)

زمان كنا أحيانًا ننظر للمهام الروتينية على إنها مجرد شغل لازم يخلص قبل ما الموظف يبدأ يعمل "الشغل المهم". لكن مع الوقت بدأت أشوف الموضوع بشكل مختلف.
لما موظف جديد يقعد ساعتين يراجع تقرير، هو مش بس بيصحح أخطاء. هو بيبدأ يفهم شكل التقرير الجيد، يلاحظ الأخطاء المتكررة، ويعرف إيه التفاصيل المهمة وإيه اللي ممكن يتجاهله.
ولما يكتب مسودة ويرجع له مديره بعشر ملاحظات، التجربة يمكن تكون مزعجة وقتها، لكنها جزء مهم جدًا من بناء الخبرة. ولما يحلل الأرقام بنفسه ويكتشف بعد شوية إنه فهمها غلط، الخطأ نفسه بيضيف له حاجة.

بمعنى آخر، المهمة كانت بتنتج شغلًا… لكنها في نفس الوقت كانت بتنتج خبرة.
وده الجزء اللي أخشى إننا ننساه ونحن نحاول نحقق أعلى كفاءة ممكنة باستخدام الذكاء الاصطناعي.

الخبرة لا تأتي من الإجابة الصحيحة فقط

الموظف الخبير مش هو الشخص اللي عنده أكبر كمية معلومات. لو الموضوع مجرد معلومات، فالذكاء الاصطناعي غالبًا هيعرف معلومات أكتر من أي فرد فينا.
الخبرة في رأيي شيء أعمق.

  • هي إنك تشوف موقفًا وتعرف إن الإجابة اللي تبدو منطقية على الورق مش بالضرورة هي الأنسب هنا.
  • إنك تعرف إمتى تحتاج معلومات إضافية وإمتى لازم تاخد قرار.
  • إنك تشوف مشكلة حصلت قبل كده وتقول: "أنا شفت حاجة شبه دي."

الخبرة بتتبني من مواقف صغيرة جدًا تتراكم فوق بعضها: محاولة، خطأ، Feedback، إعادة المحاولة، قرار، ثم رؤية نتيجة القرار.
وده سبب إننا ممكن نقرأ عشر كتب عن القيادة، لكن ده مش هيخلينا قادة ذوي خبرة من غير ما نقود ناس فعلًا. وممكن ندرس عشرات الحالات عن اتخاذ القرار، لكن الحكم الجيد يتكون لما ناخد قرارات حقيقية ونعيش نتائجها.
الذكاء الاصطناعي يقدر يسرّع الوصول للمعلومة، لكنه لا يقدر يضغط خمس سنوات من التجارب المهنية في خمس دقائق.

موقف خلاني أفكر في الموضوع بشكل مختلف

في أحد المواقف أثناء العمل، كنت أراجع مخرجًا أعده أحد الزملاء باستخدام الذكاء الاصطناعي. النتيجة كانت جيدة جدًا من النظرة الأولى: مرتبة، لغتها ممتازة، والأفكار منطقية.
لكن لما بدأنا نتناقش فيها، اكتشفت إن القيمة الحقيقية مش كانت في جودة الناتج نفسه. القيمة كانت في الأسئلة:
ليه اخترنا الاقتراح ده؟ هل يناسب فعلًا السياق اللي بنشتغل فيه؟ إيه اللي ممكن يحصل لو طبقناه؟ وإيه الجزء اللي توافق عليه وإيه اللي مش مقتنع بيه؟
في اللحظة دي فكرت إن يمكن التحدي الجديد مش إن الموظف يعرف يستخدم الذكاء الاصطناعي لإنتاج إجابة جيدة.
التحدي إن يكون عنده خبرة كافية عشان يعرف إذا كانت الإجابة جيدة أصلًا أم لا. وده فرق كبير.

يمكن دور المدير وL&D محتاج يتغير

لو جزء من التعلم كان بيحصل زمان بشكل طبيعي أثناء تنفيذ الشغل، ومع الذكاء الاصطناعي بعض المهام دي بدأت تختفي أو تتقلص، يبقى إحنا محتاجين نعوض ده بشكل مقصود.
وده في رأيي مسؤولية مشتركة بين المديرين ومتخصصي التعلم والتطوير. مش كفاية إننا نعلم الموظف إزاي يستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي.

  • محتاجين كمان نصمم له فرصًا يبني من خلالها حكمه المهني.
  • نخليه يحاول يحل المشكلة قبل ما يشوف الإجابة.
  • نسأله عن منطقه، مش بس النتيجة اللي وصل لها.
  • ندي له مواقف حقيقية، ومساحة لاتخاذ القرار، وFeedback بعد القرار.
  • ونشجعه أحيانًا يستخدم الذكاء الاصطناعي مش علشان "يديه الحل"، لكن علشان يتحدى الحل اللي هو فكر فيه.

مثلًا، بدل ما يسأل: "إيه أفضل قرار في الموقف ده؟"
ممكن يسأل: "ده القرار اللي أنا شايفه مناسب. إيه المخاطر اللي ممكن أكون مش شايفها؟"
هنا الذكاء الاصطناعي بقى أداة لتوسيع التفكير، مش بديلًا عنه.

مش لازم نختار بين الكفاءة والتعلم

أنا بالتأكيد مش شايف إن الحل هو إننا نرجع الموظفين يعملوا كل شيء يدويًا عشان "يتعلموا بالطريقة الصعبة". ده ضد طبيعة التطور. لو فيه أداة توفر ثلاث ساعات من العمل، طبيعي نستخدمها.
لكن يمكن محتاجين نسأل سؤالًا إضافيًا قبل ما نؤتمت أي مهمة بالكامل:
هل هذه مجرد مهمة… أم أنها أيضًا فرصة تعلم؟
لأن فيه فرقًا بين التخلص من عمل متكرر بلا قيمة، وبين التخلص من تجربة كانت تساعد الموظف يبني مهارة يحتاجها لاحقًا.

  • يمكن الذكاء الاصطناعي يكتب المسودة الأولى، لكن مرة كل فترة خليه يكتبها بنفسه.
  • يمكن يحلل البيانات، لكن خليه يشرح لك هو شايف إيه في الأرقام.
  • يمكن يقدم خمسة حلول، لكن اسأل الموظف: أنت هتختار أنهي واحد وليه؟

الكفاءة مهمة. لكن بناء الناس مهم برضه.
في النهاية
أعتقد إننا داخلين على تحدٍ جديد في تطوير المواهب. لسنوات، كنا بنفكر إزاي نخلي الموظف الجديد يتعلم أسرع.
دلوقتي محتاجين نضيف سؤالًا أصعب: إزاي نخليه يستفيد من سرعة الذكاء الاصطناعي… من غير ما نختصر التجارب اللي بتبني خبرته؟
لأن المشكلة مش إن الذكاء الاصطناعي هيعمل بعض مهام الـJunior.
المشكلة هتبدأ لو عملها كلها، وإحنا ما فكرناش في طريقة جديدة نبني بيها الـSenior.

وفي رأيي، ده يمكن يكون واحدًا من أهم أدوار التعلم والتطوير في السنوات القادمة: مش بس نعلّم الناس إزاي يستخدموا الذكاء الاصطناعي. لكن نصمم لهم تجارب تخليهم، مع وجود الذكاء الاصطناعي، يستمروا في التعلم والنضج وبناء الحكم والخبرة.
نقدر نختصر وقت المهمة. ونقدر نختصر وقت البحث. ونقدر نختصر المسودة الأولى.
لكن لازم ناخد بالنا جدًا… ما نختصرش رحلة بناء الخبرة نفسها.


عن الكاتب: وليد مروان استراتيجي في تطوير المواهب، ومدير تعلم وتطوير، ومدرب وميسّر، وكوتش مهني معتمد، يمتلك خبرة مهنية تتجاوز 18 عامًا في قطاعات مختلفة. يشغل حاليًا منصب مدير التعلم والتطوير في مجموعة تمر بالمملكة العربية السعودية، ويقود تصميم وتنفيذ استراتيجيات ومبادرات تطوير المواهب، وبرامج إعداد القيادات، والتعلم المؤسسي، والتطوير القائم على الجدارات، وبناء ثقافة الكوتشنج داخل المؤسسات. كما يشغل منصب عضو مجلس إدارة ومدير الفعاليات والمجتمع في فرع الاتحاد الدولي للكوتشنج ICF في السعودية، وهو شريك مؤسس في مجتمع The Career Hive، ومؤلف مشارك في كتاب «الخلاصة». ويرتكز نهجه المهني على رسالة واضحة: التعلّم، والتمكين، وتطوير الأفراد من الإمكانات إلى الأداء.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد