«النقد الدولي» يربط مكاسب الذكاء الاصطناعي بفاتورة الطاقة: الديون تقيد سباق البنية التحتية
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تفتح العاصمة التايلاندية بانكوك أبوابها أمام وزراء المالية ومحافظي البنوك المركزية في الاجتماعات السنوية لصندوق النقد والبنك الدوليين لعام 2026، وسط مشهد اقتصادي تحاصره ثلاث ضغوط متزامنة. لم تضع المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، التقنية في مسار منفصل عن أزمات الموازنات؛ بل وضعت الاندفاع المحموم نحو الذكاء الاصطناعي في قلب معادلة تضم صدمة الطاقة وتراكم الديون السيادية التاريخية.
تحذر غورغييفا من أن الاستثمار في الذكاء الاصطناعي يوشك أن يماثل، أو يتجاوز، أضخم طفرات البنية التحتية في التاريخ الحديث، كبناء شبكات السكك الحديدية والكهرباء والاتصالات. وتكشف تقديرات الصندوق أن عتاد التقنية ومنتجاتها المرتبطة باتت تستحوذ وحدها على أكثر من عُشر تجارة السلع العالمية، مما يصب المكاسب المباشرة في جعبة الدول المندمجة بعمق في سلاسل التوريد، حيث تتسابق الولايات المتحدة والصين والهند على بناء البنية التحتية المزودة للخدمات، بينما تحتكر اقتصادات آسيوية صناعة المعالجات الدقيقة وشرائح الذاكرة ومعدات التصنيع والروبوتات.
ورغم أن أبحاث الصندوق تشير إلى إمكانية إضافة نصف نقطة مئوية سنويًا إلى النمو العالمي إذا أُحسن توظيف التقنية، فإن هذا العائد المشروط يهدد بتعميق فجوة اللامساواة بين الاقتصادات المجهزة وتلك المتروكة في الخلف. الخطر يتعاظم مع اصطدام طموحات الأتمتة بصدمة الطاقة المستمرة؛ إذ استقرت أسعار النفط قرب مئة دولار للبرميل بفعل المخاطر الجيوسياسية وارتفاع تكاليف الشحن والمخاوف المحيطة بإمدادات الخليج. وترافق ذلك مع قيود التكرير التي دفعت أسعار وقود الديزل إلى مستويات غير مسبوقة، واضطرابات نقل الغاز الطبيعي المسال والملاحة عبر مضيق هرمز، مما يغذي أسعار الأسمدة والسلع الغذائية ومدخلات الصناعة، ويقيد قدرة البنوك المركزية على كبح التضخم دون خنق النمو.
يتشابك هذا العبء مع مأزق مالي أشد قسوة، حيث يقترب الدين العام العالمي من أعلى مستوياته منذ الحرب العالمية الثانية، متجاوزًا مئة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. ارتفاع عوائد السندات المرجعية يرفع فاتورة خدمة الدين الحكومي في اللحظة ذاتها التي تتنافس فيها متطلبات الإنفاق على الدفاع والحماية الاجتماعية والبنية التحتية. تجد الأسواق الناشئة نفسها أمام خيارات تمويل باهظة وهوامش مخاطر متسعة وهروب لرؤوس الأموال، في حين تعاني الدول النامية من ضيق القواعد الضريبية وتراجع المساعدات الخارجية.
ما الذي يعنيه هذا التشابك لمن يقود مشروعًا رقميًا أو يدير ميزانية تقنية في منطقتنا؟ المعادلة تفرض إعادة حسابات جذرية. في دول الخليج، توفر أسعار النفط المرتفعة سيولة مالية لدعم الإنفاق الحكومي، لكن اضطرابات سلاسل النقل عبر المضيق وارتفاع كلفة المعدات المستوردة يرفعان الفاتورة الرأسمالية لبناء مراكز البيانات الضخمة؛ فامتلاك الطاقة الرخيصة محليًا لا يحمي من تكلفة استيراد العتاد المحتكر عالميًا بأسعار الفائدة الدولية المرتفعة. أما في مصر وبلاد الشام، فإن اتساع هوامش المخاطر وضيق مساحات الاقتراض الخارجي يحسمان القرار بوضوح: التخلي عن أوهام بناء حوسبة عملاقة ممولة بالديون، وتوجيه رأس المال الشحيح نحو تأهيل الكفاءات المحلية لاستثمار النماذج مفتوحة المصدر، وتطويع البرمجيات منخفضة البصمة الاستهلاكية لخدمة الإنتاجية الفعلية.
تضع اجتماعات بانكوك صانع السياسات أمام حقيقة لا تقبل المناورة؛ فالنمو وحده لن يحل معضلة الديون، لكنه يبقى المخرج الوحيد إذا اقترن بإصلاحات هيكلية تعزز الإنتاجية. لا يكفي امتلاك الأدوات الرقمية لضمان اللحاق بالركب دون حكمة حقيقية توازن بين فواتير الطاقة والديون قبل الشروع في شراء خوادم ومعدات يصعب تشغيلها واستدامتها بأمان.