ثلاثة أجهزة استخبارات بريطانية تحذر الحكومة: الذكاء الاصطناعي يهدد منظومة الأمن القومي
استمع لهذا المقال
بصوت راشد (Rashed)
جمعت الإحاطة الأمنية التي تلقاها مجلس الوزراء البريطاني قادة أجهزة الاستخبارات الثلاثة على طاولة واحدة، موجهة تحذيرا صريحا من وتيرة تسارع نماذج الذكاء الاصطناعي وتداعياتها المباشرة. جلس كين مكالوم، المدير العام لجهاز الأمن الداخلي، إلى جانب بليز ميتروويلي رئيسة جهاز الاستخبارات الخارجية، وآن كيست باتلر مديرة مركز الاتصالات الحكومية، لتقديم تقييم استخباراتي موحد يرى في هذه التقنيات أحد أضخم التهديدات المحدقة بالأمن القومي خلال الأعوام المقبلة، وسط مخاوف جدية من استغلالها عبر دول معادية وجماعات متطرفة وأفراد يسعون للإضرار بالبنية الرقمية.
الذكاء الاصطناعي هو أهم ما ينبغي أن تفكروا فيه اليوم. بهذه العبارة المباشرة خاطب مكالوم أعضاء الحكومة البريطانية وفق ما كشفته صحيفة التايمز، وهي إشارة دفعت أحد الوزراء الحاضرين إلى تشبيه المرحلة الراهنة بالمراحل الأولى من جائحة كورونا والأزمة المالية العالمية عام 2008، حين ظهرت المؤشرات التحذيرية مبكرا دون اتخاذ إجراءات وقائية كافية. ورغم أن الإحاطة اندرجت ضمن مراجعة دورية سنوية للتهديدات الأمنية لا استجابة لخطر وشيك، إلا أن التسارع الحاد في تطوير النماذج ولّد قلقا في الأوساط الرسمية من عجز السياسات المعمول بها عن ملاحقة المخاطر المتصاعدة.
تتبعنا في التقرير كيف استند القلق الاستخباراتي إلى وقائع ميدانية مسجلة لا إلى هواجس نظرية؛ إذ شملت الشواهد حوادث اختراق نفذتها نماذج مستقلة للذكاء الاصطناعي ضد أنظمة شركات ومؤسسات، إلى جانب هجمات إلكترونية استهدفت القطاع المصرفي في كوريا الجنوبية، وواقعة أخرى تولى فيها نموذج إرسال بلاغ كاذب عن جريمة قتل مباشرة إلى موقع إلكتروني تابع للشرطة في الولايات المتحدة. وعلى الصعيد الداخلي البريطاني، كشفت اختبارات مركز تنسيق الأمن السيبراني الحكومي خلال الصيف عن 407 ثغرات أمنية موزعة عبر 9 مؤسسات حكومية، بينها ثغرة مصنفة بأنها حرجة تتيح للمهاجم تعديل الشيفرات البرمجية والتحكم في تشغيل خدمة رقمية رئيسية.
هذا الكشف عن ثغرات تتيح العبث بالشيفرة المصدرية يفسر عزم لندن على استغلال قمة مجموعة العشرين المقررة في مانشستر العام القادم، للدفع نحو التوصل إلى اتفاق حول مدونة عالمية لتنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي، سعيا لحصد مكاسبه وتحجيم أخطاره. الانتقال من استغلال الثغرات اليدوي إلى الهجمات المؤتمتة يعيد صياغة مفهوم السيادة الرقمية. والتحرك الدبلوماسي البريطاني يبرهن على أن إدارة المخاطر السيبرانية المتقدمة تتطلب أطرا تنسيقية تتجاوز الحدود التقليدية لكل دولة.
بالنسبة لصناع القرار والفرق التقنية في الخليج ومصر والمنطقة العربية، يعيد هذا التحذير رسم أولويات الأمن السيبراني للمؤسسات المالية والحكومية. إن دخول النماذج المستقلة على خط الهجمات الإلكترونية واستهداف البنوك يعني أن تكلفة التأمين التقني سترتفع حتما، وأن فرق الحماية لم تعد معنية فقط بمراقبة المنافذ والشبكات، بل باتت مطالبة بفحص بيئات الأتمتة والشيفرات البرمجية بصورة مستمرة لكشف أي تلاعب آلي. فالخطر يتجاوز تسريب البيانات إلى احتمالية تعطيل أو تعديل المنظومات الرقمية الحيوية، مما يستوجب بناء مهارات متقدمة في التدقيق البرمجي المستقل لمواكبة انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي في بيئات العمل.
إن مساعي صياغة مدونة عالمية في قمة مانشستر المقبلة تضع المؤسسات الإقليمية أمام استحقاق تنظيمي قادم: راجع معاييرك البرمجية وسياسات الأمان الخاصة بنماذجك قبل أن تصبح المعايير الدولية قيودا مفاجئة على تعاملاتك الرقمية العابرة للحدود. الحذر الاستباقي وتدقيق الكود هما صمام الأمان الحقيقي لحماية البنية التحتية الحساسة من تقنيات تتطور أسرع من القوانين المنظمة لها.