تخطَّ إلى المحتوى

«كلود» ينجز برهان مبرهنة فيرما الأخيرة بلغة «لين»: نقلة من هلوسة النماذج إلى التحقق الرياضي الحاسم

شارك المقال
«كلود» ينجز برهان مبرهنة فيرما الأخيرة بلغة «لين»: نقلة من هلوسة النماذج إلى التحقق الرياضي الحاسم
الصورة: Antoine Dautry / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

ظل تدوين بيير دي فيرما المقتضب على هامش كتاب «الحساب» لديوفانتوس عام 1637، والذي ادعى فيه امتلاك برهان بديع تعجز حاشية الصفحة عن استيعابه، لغزاً استعصى على عباقرة الرياضيات لأكثر من ثلاثة قرون ونصف. وعندما فك البريطاني السير أندرو وايلز شفرة «مبرهنة فيرما الأخيرة» عام 1995، تطلب التحقق من صحة برهانه البشري، الممتد في 129 صفحة، شهوراً من الفحص والتدقيق المشترك لسد الثغرات وإقرار اكتماله. اليوم، يقدم الذكاء الاصطناعي معياراً مغايراً تماماً لمفهوم الثقة العلمية، ليس عبر محاكاة البراهين بأسلوب إنشائي قابل للخطأ، بل بصياغة تدقيق آلي قطعي لا يترك مجالاً للتخمين.

أعلنت مختبرات أنثروبيك نجاح منظومة وكلاء متعددة تعتمد نموذجاً بحثياً مكافئاً لـ«كلود فابل 5.1» في إنجاز أول برهان محوسب ومدقق بالكامل لمبرهنة فيرما الأخيرة باستخدام لغة البرمجة الرياضية «لين» (Lean). وجاء هذا الإنجاز بعد 11 يوماً من العمل الذاتي للنموذج، متجاوزاً توقعات الأوساط الأكاديمية التي قدرت استغراق هذا المشروع سنوات من الجهد البشري المضني، منذ أن طرح عالم الحاسوب الهولندي يان بيرغسترا فكرة الحوسبة الصارمة للبرهان عام 2005، مروراً بالمشروع المجتمعي الذي أطلقه البروفيسور كيفن بوزارد في «إمبريال كوليدج لندن» عام 2024 لوضع المخطط الأولي لأقسام المبرهنة.

بناء هرمي من 13 مليون سطر برمجي

تكمن الصعوبة الجوهرية في البرمجة الرياضية الآلية في تجريد كل خطوة استدلالية من البديهيات الأولى. فالبرهان البشري يقفز عادة فوق عشرات الخطوات المنطقية معتمداً على بديهة القارئ وتراكم المعرفة الرياضية، في حين ترفض محركات التدقيق مثل «لين» تمرير أي خطوة ما لم تكن مستندة إلى إثبات صوري لا لبس فيه. تطلب إغلاق برهان فيرما كتابة أكثر من 13 مليون سطر برمجيات بلغة «لين»، وهو حجم يفوق بمقدار خمسة أضعاف كامل مكتبة الرياضيات المرجعية للغة (Mathlib). وخلال مسار العمل، صاغ النموذج وأثبت صحة 29,500 مبرهنة فرعية وسيطة في مجالات الجبر، والتحليل التوافقي، والهندسة، ونظرية الأعداد، وفق المسار التبسيطي لبرهان وايلز الذي وضعه الباحثون دارمون ودايموند وتيلور.

وأكد البروفيسور كيفن بوزارد، بعد مراجعته التفصيلية للمخرجات، أن هذا الإنجاز يثبت مبرهنة فيرما الأخيرة بالاعتماد فقط على بديهيات الرياضيات الأساسية ودون أي افتراضات غير مثبتة، مبيناً أن التجربة تؤكد نضج أدوات الإثبات الآلي وقدرتها على بناء أطر متعددة الطبقات يمكن للمجتمع العلمي الاعتماد عليها والبناء فوقها مباشرة.

منصة التنسيق وفك معضلة الذاكرة

لم يأت هذا النجاح دفعة واحدة، إذ واجهت المحاولات الأولى تعثرات بسبب تشتت الوكلاء وفقدانهم تتبع الحالة العامة للمشروع. وتحقق الاختراق الحاسم عندما قاد الباحث تياني بنغ من جامعة كولومبيا وفريقه تطوير منصة مفتوحة باسم «بروف تو مي» (Prove2Me)، والموثقة في ورقة بحثية عبر منصة أركايف. وفرت هذه المنصة رسماً بيانياً موجهاً غير دوري (DAG) لتنظيم المبرهنات ومساراتها المنطقية، مما أتاح لوكلاء كلود اتخاذ قرارات مستقلة حول المبرهنة التالية الواجب إثباتها، وفصل نصوص النظريات عن براهينها لتقليل استهلاك الذاكرة وتسريع عمليات التحقق الحاسوبي، حيث استهلكت العملية نحو ستة مليارات رمز مخرجات.

ماذا يعني التحقق الحاسم لقطاع التقنية الإقليمي؟

ينقل هذا التطور مركز الثقل في أبحاث الذكاء الاصطناعي من معالجة «الهلوسة» في النماذج التوليدية إلى استثمار قدرات «التحقق الصوري القطعي». هذا الانتقال يحمل دلالات استراتيجية مباشرة للجامعات والمراكز البحثية في المنطقة، وفي مقدمتها جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) وجامعة محمد بن زايد للذكاء الاصطناعي، حيث تصبح أدوات الحوسبة الرياضية رافداً أساسياً لتدقيق النظريات العلمية ومراجعة الإنتاج البحثي المتسارع عالمياً.

وعلى الصعيد التشغيلي والصناعي في الخليج، يمثل التحقق الرياضي المبرمج ركيزة أمان بالغة الحساسية لفرق هندسة البرمجيات المعقدة، والأنظمة السيادية، والأمن السيبراني، والعقود الذكية في أسواق المال والخدمات اللوجستية. ففي هذه المنظومات، لا تكفي التخمينات الاحتمالية ولا نماذج الذكاء الاصطناعي التي تعتمد التوليد النصي العابر؛ بل تبرز الحاجة إلى براهين محوسبة تثبت خلو الأكواد البرمجية من الثغرات بنسبة مئة بالمئة قبل إطلاقها في البيئات الحرجة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد