تخطَّ إلى المحتوى

«إيبولا» في شرق الكونغو: تحالف دولي يستعين بنموذج «كلود» لتسريع نمذجة الوباء وتوجيه الموارد الميدانية

شارك المقال
«إيبولا» في شرق الكونغو: تحالف دولي يستعين بنموذج «كلود» لتسريع نمذجة الوباء وتوجيه الموارد الميدانية
الصورة: Irwan / Unsplash

استمع لهذا المقال

بصوت راشد (Rashed)

تبدأ الاستجابة لأخطر الأوبئة في شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية بخطوات ميدانية بسيطة: عاملة صحة مجتمعية تتنقل بين المنازل في مدينة بوتيمبو حاملة دفتر ملاحظات تسجل فيه حالات الحمى والوفيات والتعافي، ثم ترسل ملخصها اليومي عبر تطبيق «واتساب» إلى المشرف على المنطقة. هذه الملاحظات اليدوية السريعة تمثل خط الدفاع الأول أمام انتشار سلالة نادرة وفتاكة، حيث أعلنت السلطات الصحية حالة طوارئ دولية في 17 مايو بعد تأكيد تفشي فيروس إيبولا من سلالة «بونديبوغيو». وعلى خلاف سلالة «زائير» التي يتوفر لها لقاح «إرفيبو» المعتمد، لا يوجد حتى اليوم أي لقاح معتمد لسلالة «بونديبوغيو»، ما يضع الفرق الطبية في سباق مباشر مع الوقت لاحتواء العدوى بالاعتماد على سرعة الرصد وتوجيه الموارد.

الأرقام الميدانية تكشف عن ضغط تشغيلي حاد على المنظومة الصحية في الكونغو؛ فقد بلغ إجمالي الحالات المؤكدة منذ بداية التفشي 7672 حالة، ووصل عدد الوفيات إلى 3699 وفاة بنسبة إماتة بلغت 48.2 بالمئة، بينما يخضع 886 مريضاً للعزل وتعافى 1879 شخصاً. وخلال أربع وعشرين ساعة فقط، سجلت الفرق 58 إصابة جديدة مؤكدة توزعت بين إيتوري (38 حالة) وشمال كيفو (14 حالة) وهو أويلي (5 حالات) وتشوبو (حالة واحدة)، إضافة إلى 23 وفاة جديدة، منها 13 وفاة داخل المجتمع المحلي و10 وفيات في مراكز العلاج، مقابل تعافي 15 مريضاً. هذا التسارع دفع الطاقة الاستيعابية إلى حافة الانهيار، إذ بلغت نسبة إشغال أسرّة العلاج في مقاطعة شمال كيفو 94.7 بالمئة، مع نفاد تام للأسرّة المتاحة في مدينتي بوتيمبو وكاتوا.

أمام هذا الاختناق الميداني، دخلت منظومة الذكاء الاصطناعي إلى قلب غرفة العمليات عبر شراكة يقودها التحالف من أجل ابتكارات التأهب للأوبئة بالتعاون مع المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا والمعهد الوطني للبحوث الطبية الحيوية في الكونغو، حيث بدأت الفرق في توظيف نموذج «كلود» التابع لشركة «أنثروبيك» لتحليل البيانات الميدانية ودعم استجابة الفرق لمكافحة التفشي. ويلخص الدكتور جان جاك مويمبي، المدير العام للمعهد الوطني ومكتشف فيروس إيبولا عام 1976 والمستشار الخاص لمدير المراكز الأفريقية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، جوهر المعركة بالتأكيد على أنه حارب هذا الفيروس لخمسين عاماً، ورغم التغير الجذري في الأدوات، فإن القاعدة لم تتغير: هزيمة إيبولا تقتضي معرفة أين يوجد الفيروس اليوم، لا أين كان في الأسبوع الماضي.

التحول العملي الذي فرضه النموذج ظهر بوضوح في قدرة خبراء الأوبئة على تجاوز قيود الوقت. ويوضح بول أوما، عضو فريق المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في أفريقيا، أن الفريق لم يكن قادراً في السابق حتى على التفكير في المفاضلة بين النماذج الرياضية المختلفة لانتشار المرض، بل كان يكتفي بتشغيل نموذج واحد فقط بسبب ضيق الوقت، بينما بات بإمكانهم اليوم تشغيل نماذج متعددة في وقت متزامن لبناء توقعات تساعد مسؤولي اللوجستيات في تحديد المواقع الدقيقة التي ينبغي تشييد مراكز العلاج الجديدة فيها. وإلى جانب التنبؤ بالانتشار، تتيح بيئة «كلود ساينس» للباحثين استخدام أوامر نصية باللغة الطبيعية لتجميع الجينوم الفيروسي وبناء شجرة السلالات الجينية للفيروس، دون أن يعني ذلك استبدال الكوادر البشرية أو تفويض القرار العلمي للذكاء الاصطناعي، فالأدوات تظل مسرعاً للتحليل وليست بديلاً عن التقدير السريري والميداني.

ما تكشفه هذه التجربة ينقل حوار الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي العربي من دائرة التجارب الاستعراضية إلى خطط الطوارئ الفعلية. فبالنسبة لمن يقود التحول الرقمي أو إدارة الأزمات الصحية في وزارات الصحة والمستشفيات في الخليج ومصر والمشرق العربي، تقدم حالة الكونغو درساً تشغيلياً في كيفية سد الفجوة بين البيانات الأولية غير المهيكلة القادمة من الميدان وبين النمذجة المركزية السريعة. التحدي الحقيقي في إدارة الأوبئة أو مواسم الضغط الجماهيري لا يكمن في غياب البيانات، بل في بطء هندستها؛ والقدرة على استنطاق النماذج التوليدية لبناء سيناريوهات متعددة بالتزامن تعني خفض الوقت المطلوب لاتخاذ قرارات إعادة توزيع الأسرّة والكوادر الطبية والمخزون الدوائي من أيام إلى ساعات، مما يحوّل الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية لوجستية حاسمة لحماية الأنظمة الصحية وقت الذروة.

اشترك في همسات الذكاء الاصطناعي — كل أسبوع: قصص وفرص وأحداث مختصرة وموثقة، بلا حشو.

اشترك ليصلك الجديد