طرح «أنثروبيك» بتريليوني دولار: اختبار علني لرهانات الاستثمار السيادي الخليجي
استمع لهذا المقال
بصوت ليلى (Layla)
تستعد شركة «أنثروبيك» لطرح أسهمها في الأسواق العامة بتقييم قد يتجاوز تريليوني دولار، في خطوة تنقل سباق تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي التأسيسية من غرف التمويل الخاص المغلقة إلى التدقيق المالي المباشر للمستثمرين. هذا التحول لا يضع فقط وتيرة النمو التجاري السريعة للشركة تحت المجهر، بل يسلط الضوء على القاعدة التمويلية المدعومة برؤوس أموال خليجية سيادية واكبت مراحل توسعها الكبرى، بالتزامن مع تكاليف تشغيل وبنية تحتية باهظة تفرضها معايير المنافسة على حافة التقنية.
تكشف البيانات المالية للشركة عن اتساع حاد في الفجوة بين الإيرادات وتكاليف الحوسبة؛ إذ قفزت إيرادات «أنثروبيك» في عام 2025 بنحو اثنتي عشرة مرة لتبلغ قرابة 4.6 مليار دولار، مقارنة بالعام السابق. وفي المقابل، قفزت تكاليف الحوسبة والبنية التحتية إلى 7.33 مليار دولار، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف إنفاق العام الأسبق، لتمثل أكثر من نصف إجمالي النفقات التشغيلية البالغة 12.65 مليار دولار. هذا التوسع دفع الخسارة التشغيلية للاتساع إلى 8.06 مليار دولار مقارنة بنحو 2.98 مليار دولار في 2024، في حين وصل صافي الخسارة الدفترية إلى نحو 42 مليار دولار، ناتجا في 34 مليار دولار منه عن تسويات محاسبية مرتبطة بتغير قيمة أدوات تمويلية قابلة للتحول إلى أسهم.
الأرقام المستقبلية الواردة في نشرة الاكتتاب تظهر التزامات بنية تحتية وحوسبة سحابية تبلغ 518 مليار دولار على مدى السنوات المقبلة، مع تصنيف نحو 80 في المئة من هذه الالتزامات كعقود غير قابلة للإلغاء أو ملزمة بالدفع بصرف النظر عن حجم الاستخدام الفعلي. وتترافق هذه الأعباء المالية الضخمة مع مخاطر تركز واضحة في قاعدة الإيرادات، إذ جاء قرابة ربع دخل الشركة لعام 2025 من عميلين اثنين فقط، مع تحذيرات رسمية من عدم التزام بعض كبار العملاء بعقود طويلة الأجل، إضافة إلى ما رصدته أبحاث الشركة الداخلية من سلوكيات غير متوقعة للأنظمة المستقلة في بيئات الاختبار التجريبية.
يمثل هذا الطرح محطة مفصلية للاستثمارات السيادية الخليجية التي شكلت دعامة أساسية في جولات التمويل الخاصة؛ فقد عززت شركة «إم جي إكس» في أبوظبي و«جهاز قطر للاستثمار» حضورهما في جولات تمويلية متتالية رافقت صعود التقييم الخاص للشركة نحو عتبة التريليون دولار. وكان جهاز قطر للاستثمار قد بدأ استثماره في سبتمبر 2025، ثم شارك في جولة الفئة «G» في فبراير 2026، وجولة الفئة «H» في مايو 2026 التي جمعت 65 مليار دولار وقيمت الشركة بنحو 965 مليار دولار. وسلكت «إم جي إكس» مسارا موازيا، إذ قادت جولة الفئة «G» بقيمة 30 مليار دولار عند تقييم بلغ 380 مليار دولار، ثم انضمت إلى جولة مايو التمويلية، ليرتبط رأس المال السيادي بالطبقات العليا من بنية النماذج، بالتوازي مع صفقات البنية التحتية المكملة مثل استحواذ «إم جي إكس» على «ألايند داتا سنترز» بنحو 40 مليار دولار.
ينعكس هذا التحول بصورة مباشرة على مسؤولي التقنية والمؤسسات في الخليج والمشرق العربي. انتقال «أنثروبيك» إلى التداول العام سيجعل تسعير خدمات الاستدلال والوصول إلى النماذج خاضعا لضغوط الربحية الفصلية وحسابات الأسواق المفتوحة، بعد مرحلة من الدعم عبر جولات رأس المال الجريء. يتعين على مديري التقنية والمصارف والمؤسسات الحكومية في المنطقة، التي تبني بنيتها الرقمية على نماذج الشركة، الاستعداد لتغيرات محتملة في هياكل الأسعار وتراجع المرونة التعاقدية مع سعي الشركة للوفاء بالتزامات حوسبة تتجاوز نصف تريليون دولار. كما أن التسعير في السوق العامة سيمنح الصناديق السيادية في المنطقة معيارا يوميا واضحا لتقييم حصصها في سباق الذكاء الاصطناعي المتقدم.
سيكون الطرح العام المرتقب اختبارا حاسما لكيفية تقييم الأسواق للمرحلة المقبلة من تطوير الذكاء الاصطناعي، في وقت تتسارع فيه المنافسة مع «أوبن إيه آي» وعمليات الذكاء الاصطناعي في «غوغل» و«ميتا» و«إكس إيه آي»، بينما تواصل «أمازون» و«غوغل» توفير رأس المال والبنية السحابية. لم يعد التحدي محصورا في التفوق التقني للنماذج، بل في مدى قدرة الشركات المطورة على تحويل الطلب المتنامي إلى أرباح تشغيلية تغطي التكلفة الهائلة للبنية التحتية الحوسبية.