حين يصبح الذكاء الاصطناعي عضوًا في الفريق… هل المدير مستعد؟
استمع لهذا المقال
بصوت كريم (Karim)
حين يصبح الذكاء الاصطناعي عضوًا في الفريق… هل المدير مستعد؟
بقلم: وليد مروان
في المقال السابق، كنت بتكلم عن سؤال بدأ يشغلني مع زيادة استخدام الذكاء الاصطناعي في بيئة العمل: إذا تولّى الذكاء الاصطناعي جزءًا كبيرًا من مهام الموظف الجديد… فكيف نبني خبرته في المستقبل؟
وأثناء التفكير في الموضوع، ظهر قدامي سؤال تاني يمكن يكون أكبر. إحنا بنتكلم كتير عن تأثير الذكاء الاصطناعي على الوظائف، والمهارات، والموظفين. لكن قليل لما بنتوقف عند تأثيره على المدير نفسه.
لأننا لو وصلنا لمرحلة إن الذكاء الاصطناعي ما بقاش مجرد أداة تساعدنا، لكنه بدأ ينفذ مهام كاملة، يبحث، يحلل، يتابع، ويقترح حلولًا… يبقى إحنا تدريجيًا أمام شكل جديد من فرق العمل.
وهنا السؤال: هل المدير مستعد يقود فريقًا مش كل أعضائه بشر؟
التفويض نفسه بدأ يتغير
طول عمرنا بنعلّم المديرين مهارات مثل التفويض، إدارة الأداء، التواصل، التغذية الراجعة، وبناء الثقة. وكل المهارات دي هتفضل مهمة.
لكن وجود الذكاء الاصطناعي أضاف سؤالًا جديدًا لم يكن موجودًا بنفس الوضوح قبل كده: مين المفروض يعمل المهمة دي؟
زمان، السؤال كان: أنهي موظف من الفريق أقدر أفوض له المهمة؟
النهارده ممكن السؤال يبقى: هل المهمة أصلًا محتاجة إنسان؟ هل الذكاء الاصطناعي يقدر يعمل جزءًا منها؟ هل الإنسان يراجع فقط؟ أم أن المهمة نفسها تحتاج حكمًا بشريًا من البداية؟
وده معناه إن دور المدير بدأ يتحرك من مجرد توزيع المهام إلى تصميم طريقة إنجاز العمل.
يحدد أين تستخدم التكنولوجيا، وأين يحتاج الإنسان، وأين لازم الاثنين يشتغلوا مع بعض.
المشكلة مش في الإجابة… لكن في الحكم عليها
واحدة من الحاجات اللي بتخلي الذكاء الاصطناعي مقنع جدًا إن مخرجاته غالبًا شكلها جيد. تقرير مرتب، تحليل منطقي، لغة قوية، وتوصية تبدو واثقة. لكن كلنا بدأنا نتعلم إن شكل الإجابة الجيد لا يعني بالضرورة إنها الإجابة الصحيحة أو الأنسب.
وهنا، في رأيي، تظهر واحدة من أهم مهارات المدير في المرحلة القادمة: الحكم المهني.
إنه يعرف إمتى يثق في المخرج، وإمتى يراجعه، وإمتى يقول: لا، الحل ده منطقي على الورق لكنه مش مناسب للسياق.
لأن الذكاء الاصطناعي ممكن يعرف معلومات كثيرة جدًا، لكنه مش عايش ثقافة المؤسسة، ولا يعرف كل تفاصيل الفريق، ولا يفهم دائمًا تأثير القرار على الأشخاص الموجودين خلف الأرقام.
هو ممكن يعرض خيارات. لكن الاختيار نفسه يفضل مسؤولية الإنسان.

ومين مسؤول لو الذكاء الاصطناعي أخطأ؟
وده سؤال أعتقد إننا هنسمعه أكتر خلال الفترة الجاية. لو موظف أخطأ في مهمة، المدير يقدر يفهم السبب، يراجع طريقة التفكير، يقدم ملاحظات، ويساعد الموظف يتعلم.
لكن لو الخطأ جاء من أداة ذكاء اصطناعي، هل ينفع نقول: "هو اللي قال كده"؟
بالطبع لا.
وده بالنسبة لي مبدأ مهم جدًا: تفويض المهمة للذكاء الاصطناعي لا يعني تفويض المسؤولية.
طالما الإنسان هو اللي استخدم الناتج أو اتخذ القرار بناءً عليه، فهو ما زال مسؤولًا عن المراجعة والفهم والنتيجة النهائية.
ويمكن دي واحدة من النقاط اللي محتاجين نبدأ نتكلم عنها أكتر مع المديرين: الذكاء الاصطناعي ممكن يساعدك في القرار، لكنه لا يشيل عنك مسؤولية القرار.
يمكن القيادة نفسها لازم تبقى أكثر إنسانية
المفارقة إن كل ما الذكاء الاصطناعي يصبح أقوى في التحليل والتنفيذ، بعض المهارات الإنسانية هتبقى أهم.
- لو التكنولوجيا تقدر تحلل المعلومات بسرعة، فالمدير محتاج يكون أفضل في طرح الأسئلة.
- لو تقدر تنتج حلولًا كثيرة، فالمدير محتاج يكون أفضل في الاختيار.
- ولو تقدر تنفذ جزءًا كبيرًا من المهام، فالمدير محتاج يكون أفضل في فهم الناس، وتطويرهم، وبناء الثقة معهم.
وده خلاني أفكر في حاجة بسيطة: لو الذكاء الاصطناعي وفر للمدير ساعتين من الشغل التشغيلي، يا ترى هيعمل إيه بالساعتين دول؟
أتمنى ما يستخدمهمش عشان يعمل شغل تشغيلي أكتر. يمكن الأفضل يستخدم جزءًا منهم عشان يتكلم مع فريقه، يسمعهم، يفهم تحدياتهم، يطورهم، ويكون موجودًا معهم بشكل أكبر. لأن دي من الحاجات اللي التكنولوجيا لسه مش هتعوضها بسهولة.
ودور التعلم والتطوير هنا بيتغير برضه
وده طبعًا يفتح سؤال مهم بالنسبة لي كمتخصص في التعلم والتطوير: هل برامج تطوير المديرين الحالية بتجهزهم فعلًا للمرحلة دي؟
يمكن ما بقاش كفاية إننا نعلّم المدير إزاي يفوض أو يقدم تغذية راجعة فقط. محتاجين كمان نساعده يفكر في أسئلة جديدة:

- إيه اللي ينفع يتفوض للذكاء الاصطناعي وإيه اللي لازم يفضل عند الإنسان؟
- إزاي يراجع المخرجات؟
- إزاي يمنع فريقه من الاعتماد الكامل عليه؟
- إزاي يحافظ على التعلم وبناء الخبرة؟
- وإزاي يضمن إن السرعة والكفاءة ما ييجوش على حساب جودة القرار أو البعد الإنساني؟
ودي في رأيي مش مهارات تقنية فقط. دي بدأت تبقى جزءًا من معنى القيادة نفسها.
في النهاية
من فترة، كنا بنتكلم عن الذكاء الاصطناعي كأداة.
بعدها بدأنا نتكلم عنه كمساعد.
والنهارده بنشوفه يتحرك تدريجيًا ناحية تنفيذ مهام ومسارات عمل كاملة.
وعشان كده، يمكن السؤال اللي محتاجين نسأله للمديرين ما بقاش: إزاي تستخدم الذكاء الاصطناعي؟
لكن: إزاي تقود العمل في وجود الذكاء الاصطناعي؟
وأعتقد إن مدير المستقبل مش هيكون بالضرورة الشخص اللي يعرف يستخدم أكبر عدد من الأدوات. هيكون الشخص اللي يعرف متى يحتاج الإنسان، ومتى يستخدم الذكاء الاصطناعي، ومتى يجعل الاثنين يعملان معًا.
لأن الذكاء الاصطناعي ممكن يصبح عضوًا جديدًا في الفريق… لكن القيادة ستظل مسؤولية إنسان.